Senin, 28 November 2011

Ulumul Hadis


 




بَيَانُ الحَدّ

الذي يَنْتهِي عِنْدَهُ أَهْلُ الاصطلاحِ والنَّقْد

في علوم الحديث


د. الشريف حاتم بن عارف بن ناصر العوني

الأستاذ المساعد بقسم الكتاب والسنة

بجامعة أم القرى

 



بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمــة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا شك أن علم الحديث (كغيره من العلوم) قد مَرّ بأطوار مختلفة، من حين نشأته إلى هذا العصر. وقد كان في أطواره هذه (كغيره من العلوم أيضاً) قد نشأ ونَمَا وترعرع حتى اكتمل، ثمّ أخذ يضعف شيئاً فشيئاً. إلا أنه من حينٍ لآخر تقوم جهودُ بَعْثٍ وتجديد في علوم الحديث، تُعيد إليه بعضاً من مظاهر حياته، وتَدْفَعُ عنه أخطارَ موته وفنائه، تحقيقاً لوعد الله تعالى بحفظ هذا الدين.
وقد كان من فضل الله تعالى علينا في هذه الأيام، أننا نعيش فترة انتعاش لعلوم السنّة وعنايةٍ بتعلُّمها وتعليمها لم تكن موجودةً قبل زمنٍ يسير من الآن. وفي هذه الفترة التي نعيشها: نشهدُ جهوداً كثيرةً لخدمة السنة، وهي جهودٌ وإن لم تصل إلى درجة الكفاية أو قريبٍ منها، إلا أنها قد تكون أكثر نفعاً وأعظمَ بركةً لو كانت جميعُها تنطلق من قواعد راسخة، وتبنى على أصول صحيحة.
وهذا الخللُ المعاصرُ في تعلّم علوم السنة أو في خدمتها هو أمرٌ طبيعي، نتيجةً لفترة الركود الطويلة التي مَرّت عليها. لكنَّ الأمر غير الطبيعي أن نأبى إصلاحَ ذلك الخلل بعد أن تبيّنّاهُ، أو أن نَرْفُضَ الاعترافَ بوجوده أصلاً بعد أن قام المصلحون ببيانه والسَّعْي في إصلاحه.
وحيث إن حركة الإصلاح هذه قائمةٌ عَلى محاولة الرجوع بعلوم السنة إلى نبعها الصافي، وإلى زمن ازدهارها، (( يومَ كان شأنُ الحديث فيما مضى عظيماً، عظيمةٌ جموعُ طلبته، رفيعةٌ مقاديرُ حُفّاظِه وحملته. وكانت علومه بحياتهم حيّة، وأفنان فنونه ببقائهم غضّة، ومغانيه بأهله آهِلةٌ ))[1] فقد فُوجئ الداعون إلى هذا الإصلاح، والمنادون إلى تلك العودة الحميدة، باعتراضٍ عليهم، رافضاً ذلك الإصلاح، معرضاً عن ذلك النداء، مُشَغّباً عليه.
ويقوم ذلك الاعتراضُ على أساس، يتبعُه اعتراضاتٌ تنبني عليه.
فكان على من أراد أن يدعمَ حركة الإصلاح تلك، أن يُجيب على ذلك الاعتراض، عسى أن يكون الجوابُ داعياً لرجوع المعترِض عن وقوفه في سبيل الإصلاح، بل لعله أن يكون أحدَ الساعين فيه، إن تبيّنَ له الحق. وذلك هو الظنّ بالجميع، إذ الجميعُ لا يقصدون إلا خدمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
إن ذلك الاعتراض قائمٌ على نَسْفِ مبدأ الإصلاح السابق ذكره، بنفي أحقّية عصرٍ ما في أن يكون علماؤه هُمْ المرجع في معرفة قواعد العلم وفي تقرير معاني مصطلحاته، وأن مَنْ بعدهم يحتكمون إليهم. فأصحاب هذا الاعتراض يرون أنّ علم الحديث لم يزل في تطوُّرٍ، وأنه قابلٌ للتطوير، وأنّ إلزامَ الناس بقواعد أو معاني مصطلحات عصرٍ ما تحكُّمٌ لا وَجْهَ له. ثمّ منهم من يتناقض ليقف بهذا التطوّر عند الحافظ ابن حجر مثلاً، ومنهم من يطّردُ في مقالته إلى اليوم، ويرى أن التطوير حقٌّ مُشَاعٌ إلى قيام الساعة.
إن هذا الرأي رأيٌ خطيرٌ، من شأنه أن يُدَمّر علوم السنة لو توسَّعَ نطاقُ تطبيقه فوق ما هو عليه، ويكفي من أثره السلبي ما قد وقع منه دلالةً على خطورته. إن هذا الرأي هو ما كنتُ أسميتُه في كتابي (المنهج المقترح) بفكرة تطوير المصطلحات، وبيّنتُ هناك خطرها وخطلها[2]. ولا أُريد هنا أن أتحدّث عن آثارها السلبيّة، فقد تحدثتُ عن ذلك في غير هذا الموطن، وتحدّث غيري أيضاً عن ذلك.
لكن الذي أريده هنا: أن أُبيّنَ ما إذا كان هناك عَصْرٌ ما هو الذي يُحْتكم إلى علمائه ويُرجعُ إليهم في معرفة علم الحديث: قواعدَ ومصطلحات. وما هي أسباب اختيار أولئك العلماء دون غيرهم؟ ولمَ لا يكونون في عصورٍ مختلفة غير محدودةٍ بحدّ؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة في غاية الأهميّة لخُطّة الإصلاح تلك، وبغير الجواب عليها، أو بالجواب غير السديد فيها   لن يُمكن لهذه الخطة أن تستمرّ وأن تصمد أمام المعترضين.
ولهذا فقد جاء هذا المقال ليحاول الإجابةَ عن تلك الأسئلة، لكي تتضح سبيلُ المصلحين!!
وأسأل الله تعالى العون والتوفيق، وإخلاص النيّة والقصد، وقبول صالح الأعمال.





المقالة الأولى:
التاريخ النظري لأطوار علوم الحديث

لا يختلف اثنان من أهل العلم، في أن نَقْل السنة خلال القرن الأول والثاني والثالث كان كافياً للحفاظ على السنة الحفاظ الكامل، بعدم تَفَلُّتِ شيءٍ منها عن الأُمّة، وعدم تَسَلُّلِ ما ليس منها إليها. وهذا أمرٌ بدهي عند من يعتقد أن السنّة قد بلغتنا كاملة؛ لأن اعتقاد وقوع خلل في منهج نَقْل السنة خلال القرن الأوّل مثلاً، سيؤدِّي إلى أن لا يجد القرنُ الثاني إلا ذلك الإرث المُخْتَلّ، إذ لا سبيل له في النقل إلا ما يؤدّيه إليه الناقلون.
وكذلك لا يختلف اثنان من أهل العلم أن منهج نقد السنة خلال القرن الأول والثاني والثالث كان كافياً لمعرفة صحيح السنة وثابتها وتمييزه عن سقيمها وغير الثابت منها؛ لأن اعتقاد وقوع خلل في منهج النقد في القرن الأول مثلاً، يعني أن الأمّة في ذلك القرن قد ضَلّت دينَ ربِّها، فنسبت إلى وَحْي السنة ما ليس منه، أو ردّت هدايةً من هداية ربِّها.
ولا يعني ذلك أن علوم الحديث (نقلاً ونقداً) لم تمرَّ بمراحل تطوّر خلال قرونها الثلاثة الأولى، ولا أن علوم الحديث في القرن الثالث هي تلك التي وُلدت في القرن الأول. وعلى هذا: فكيف يَلْتَئمُ أن تكون علوم السنة قد مَرّت بمراحل تطوّر، ومع ذلك فهي في كل مرحلةٍ كانت كفيلةً بالحفاظ على السنة وبتمييز صحيحها من سقيمها؟
الجواب عن ذلك: أن انتقال علوم السنة من مرحلة إلى مرحلة لم يكن بسبب قصور فيها في المرحلة الأولى عن القيام بواجب الحفاظ على السنة، ولكن لأن عواملَ جديدةً طرأت في المرحلة الثانية تستلزم تطوّراً في العلم. فالتطور لم يكن لنقص العلم قبل تطوّره، وإنما لحدوث أمرٍ لم يكن موجوداً يقتضي ذلك التطوّر. فتجدُّدُ ضروريات، وحدوث حاجيّات، وبروز أخطار لم تكن موجودة   كل ذلك هو الذي كان يجعل السنة تنتقل من مرحلة إلى مرحلةٍ، حيث إن علماء السنة كانوا يبادرون إلى استحداث وسائل في التعلُّمِ والتعليم وفي التعامُل مع العلم تحقّقُ لهم تحصيلَ تلك الضروريات، وتلبية الحاجيات، ودَفْع هاتيك الأخطار.
ولمّا كانت الغاية الكبرى من علوم السنة هي الحفاظ عليها كاملة صافيةً من الشوائب، ولمّا كان التلقّي الشفهي عن محفوظات الصدور لم يكن ليكفي للاطمئنان إلى صحّة المنقول[3]، لأسباب منها أن الحفظ خوّان وأن النسيان من جبلّة الإنسان   كان لابُدّ من أن يرافق ذلك التلقّي الشفهي ميزانٌ نقدي، يتميّزُ به الصواب من الخطأ والصدق من الكذب، إذ الخطأ والكذب هما آفتا الأخبار، فلا يُردّ الخبر إلا لواحدٍ منهما؛ لأنه قد جمع بينهما أنهما السببان الوحيدان للإخبار بخلاف الواقع، وإن كان الخطأ إخباراً بخلاف الواقع بغير عمد، والكذب إخباراً به لكن بعمد[4].
ولك أن تتصوّر: لو قَدّر الله تعالى أن تُدَوّنَ السنةُ كُلُّها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما دُوِّن القرآن الكريم، هل كُنّا سنحتاج إلى ذلك الميزان النقدي؟ لاشك أننا لم نكن سنحتاج إليه، كما لم نَحْتَجْ إليه مع القرآن الكريم؛ لأن الكتابة حينها ستكون وعاءً شاملاً وصافياً، فلا يضمّ فيه إلا الصدق والصواب. لكن شاء الله تعالى بحكمته أن لا يحصل ذلك؛ لأسباب قدريّة كونيّة، ولأسباب شرعيّة، ليس هذا أوان تفصيلها.
ومن هُنَا يتبيّن لك: أن علاقة الميزان النقدي بتدوين السنّة علاقةُ تلازم كامل، إلى درجة أن تصل هذه العلاقة إلى أن تكون سبباً للوجود وسبباً للعدم، كما سبق. حيث بيّنّا أن سبب نشوء الميزان النقدي هو التلقّي الشفهي وعدم شمول التدوين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبيّنّا أن التدوين لو كان شاملاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لما احتجنا إلى ذلك الميزان النقدي أصلاً، ولما كان له وجود، كما لم يكن له وجود مع القرآن الكريم.
وما دامت علاقة الميزان النقدي بتدوين السنة على هذه الدرجة الكاملة من الترابط والتلازم، فهذا سيعني أن تطوّر الميزان النقدي مرتبطٌ أيضاً بتطوّر التدوين. وهذا هو ما وقع بالفعل؛ لأنه لا يُمكن إلا أن يكون كما وقع!!
ومع أني لا أرى أن هناك حاجةً للاستدلال على وقوع ذلك الترابط بين تطوّر النقد وتطوّر التدوين، بعد أن بيّنتُ أنهما غير منفكّين وجوداً وعدماً - إلا أني لن أُغْفِل الحرصَ على كَمال وضوح هذا الترابط، وأنه كان لابُدّ أن يكون.
فقد قرّرنا آنفاً أن عدم شمول التدوين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن استمرارَ الرواية الشفهيّة المعتمدةِ على حفظ الصدور   هو الذي طَرَّق إلى الأخبار احتمالَ أن تكون مخالفةً للواقع، خطأً أو عمداً، وأن هذا الإخبار بخلاف الواقع قد وقع فعلاً، فلم يكن مجرّدَ احتمال. وقرّرنا أيضاً أن الميزان النقدي نشأ مع الرواية في وقت واحد؛ لأن غرضَ الراوي هو الاستفادة من الخبر، ولن تتحقق الإفادة من خبرٍ مخالفٍ للواقع، وما دام يتطرّق إلى الخبر هذا الاحتمال فلابُدّ من وَضْع معايير لتمييز الخبر الموافق للواقع والخبر المخالف للواقع، وهذا هو الميزان النقدي.
ولاشك أن احتمال أن يكون الخبرُ مخالفاً للواقع خطأً (بغير عمد) سيزداد قوّةً كُلَّما ابتعد الخبر عن أصله وناقله الأول؛ (( لأنّه ما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائزٌ عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كَثُرت مظانُّ التجويز، وكلّما قَلّتْ قَلّتْ))[5]. وكذلك حال الإخبار بخلاف الواقع عمداً (كذباً)، سيزداد احتمال وقوعه بزيادة عدد الناقلين، الذين يُحتمل في كل واحدٍ منهم (قبل العلم بعدالته) أن يكون كذّاباً. كما أنّ العدالة في الرواة والناس عموماً لم تزل في نقصانٍ ببُعْدِ الناس عن زمن النبوّة، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قومٌ تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه))[6]، وفي حديث آخر قال في الرابع: ((ثم يفشو الكذب))[7].
وهذه الزيادة في احتمالاتِ حُصُولِ الإخبار بخلاف الواقع (عمداً أو خطأً) بسبب امتداد الزمن، لم تكن زيادةً في عدد تلك الاحتمالات فقط، بل هي زيادةٌ في العدد وفي صُوَر تلك الاحتمالات أيضاً.
فمثلاً: (التدليس) المذموم و (الإرسالُ) المردود لم يكن ليظهر في جيل الصحابة؛ لأن الصحابة كلّهم عدول، وإنّما ظهر بعدهم، و (الإعضال) لم يكن ليظهر عند من لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بواسطةٍ واحدة، لكنه يُمكن أن يظهر عند من يحدث عنه بواسطتين فأكثر.
وما دام احتمالُ إصابة الأخبار بآفتيها (الكذب والخطأ) سيزدادُ بامتداد الزمن، فلابُدّ أن علماء الأمّة ستزداد عنايتهم في إيجاد الوسائل التي تُخَلِّصُ الأخبار من هاتين الآفتين، وهذا هو تطوّر الميزان النقدي.
ولمّا كان سبب حصول هاتين الآفتين هو الرواية الشفهيّة غير المدوّنة، فقد سارع العلماء إلى التدوين، الذي لم يزل يتطوّر، مواكباً حاجة السنة للحفظ[8] وللحماية من الكذب[9] أو الخطأ[10].
وبذلك نعود إلى تأكيد تلك العلاقة بين تطوّر التدوين وتطوّر الميزان النقدي، فلئن بيّنّا سابقاً ما بينهما من علاقة في المنشأ، تقتضي استمرار تلك العلاقة بينهما بعد النشأة   فقد بيّنا هنا أيضاً حقيقةَ تلك العلاقة خلال مراحل التطوّر لكليهما، ممّا لا يدع مجالاً للشك في حصول تلك العلاقة بين التدوين والنقد في كل مراحل تطوّرهما.
فإذا انتهينا إلى اليقين من هذه النتيجة، وهي أن التدوين والميزان النقدي متلازمان نشأةً وتطوّراً، تلازُمَ الروح بالجسد الحيّ، فهذا سيعني أن الزَّمنَ الذي يبلغُ التدوينُ فيه نهايتَه، بشموله لجميع المنقولات، وبعدم بقاء روايةٍ غير مدوّنةٍ ممّا كان يذكره الناقلون منذ نشأة الرواية إلى ذلك الزمن   سيعني أيضاً أن النقد قد بلغ في ذلك الزمن نهايته، وأنه بعد بلوغه هذه النهاية سيكون قادراً على تصفية المنقولات كُلِّها بلا استثناء، وأنه لم يعد فيه مجالٌ للتطوّر بعد ذلك.
إن هذه النتيجة، وهي أن اكتمال التدوين يعني اكتمال المنهج النقدي، لم يَعُدْ بحاجةٍ إلى استدلال بعدما سبق.
لكني أعود فأقول: إن المنهج النقدي إنما نشأ بسبب وجودِ رواياتٍ أصابتها آفةُ الأخبار (الخطأ والكذب)، وحصولُ هذا للأخبار إنما وقع بسبب عدم التدوين (كما سبق)، فكان ذلك المنهجُ النقديُّ قادراً على تمييز الصواب من غيره خلال أزمنة الرواية الشفهيّة غير المدوّنة   أفلا يكون هذا المنهجُ النقدي أقدَر على القيام بمَهمّته، بعد حصول ما كان من شأنه أن يُغنينا عنه لو أنه تمّ من حين نشوء النقل (ألا وهو التدوين)، وبعد أن سَهَّلَ له التدوينُ القيامَ بتلك المهمّة؟!
وبعبارة أخرى: إن منهجاً لنقد المنقولات كان قادراً وكافياً لنقدها يوم أن كانت بين رواية شفهيّة ورواية مدوّنة، ألن يكون قادراً وكافياً لنقد المنقولات بعد أن أصبحت مكتوبة فقط؟!!
وبعبارة ثالثة: إن منهجاً كان قادراً على تصفية المنقولات حينما كانت تتزايد بالخطأ والكذب كل يوم، ألن يكون قادراً على تصفيتها بعد أن انحصرت بالتدوين الشامل (صوابَها وخطأها وكذبها) في عدد معيَّن؟!![11].
وأخيراً: هل يُمكن أن يوجد منهجٌ للنقد أفضل من ذلك المنهج الذي استطاع تصفية السنة في أخطر مراحل وُجودها؟! هل يُمكن لأحدٍ أن يدّعي منهجاً مخالفاً لذلك المنهج يكفل لنا به ما كفله لنا ذلك المنهج؟!! لاشك أن المنهج الذي استطاع أن يواجه تلك الأخطار، وأن يدفعها كلها، هو أفضل المناهج على الإطلاق. وأنّ من أراد أن يستبدل به منهجاً آخر، أقلّ ما يُقال له: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير (البقرة: 61).
وهنا يأتي السؤال الأهم: فمن أراد أن يتعرّف على منهج نقد السنّة عمّن يأخذه؟ من هُمْ أهل ذلك المنهج (المكوّنِ من قواعد ومصطلحات) الذين إن أردنا أن ندرس منهج نقد السنة لزمنا أن لا نتجاوزهم وأن لا نخالفهم؟ ومن هم الذين يُحتكم إليهم في تصويب المنهج أو تخطئته؟ ويُمدح من سار على منهجهم ويُذمّ من خالفه؟
لا يخفى على أحدٍ منكم الجواب عن هذا السؤال (أو الأسئلة).
إذ إن الجوابَ قد تقدّم، وهو أن منهج نقد السنة يجب أن يؤخذ عمّن أسّسه وبناه حتى اكتمل، وهؤلاء هم أهل ذلك المنهج، الذين يُحتكم إليهم، ويُمدح من سار على منهجهم، ويُذمّ من خالفهم[12].
وهنا قد ينقدح سؤال، كنت قد أجبت عنه سابقاً، لكنه يحتاج إلى زيادة بيان؛ وهو: لمَ لمْ تقتصر على العلماء الذين عاصروا اكتمال المنهج؟ لمَ أدخلتَ معهم من سبقهم؟ مع أن من سبقهم لم يكن المنهج في زمنهم مكتملاً!! ألا يُطرِّق ذلك احتمالَ تَعَدُّدِ المناهج بسبب اختلاف أزمنة أهل المنهج الذين تُحيل إليهم، وبسبب اختلاف أطوار العلم الذي تُرجعنا إليه؟!
والجواب:
أوّلاً: إنه ليس من حقّي أن أقتصر من عند نفسي على عصرٍ دون عصر، لقد بَنَيْتُ ما قلتُه على الدرس العميق لمراحل تطوّر العلم، كما مَرّ بكم آنفاً. فلست بالذي يختار، وإنما سنةُ التطوّر والارتقاء هي التي تختار.
ثانياً: إن هذا السائل لم ينتبه إلى ما كنتُ قررتُه سابقاً، من أن انتقال منهج النقد من طور إلى طور لم يكن لنقص في الطور الأول، وإنما لتجدّد أمور اقتضت الإضافة إليه فقط. فكل الذي كان يحصل خلال انتقال المنهج من طور إلى طور، هو أن الطور الثاني يضيفُ إلى الطور الأول ما يُمَكّنُهُ من مُوَاجهةِ الأخطار المستحدثة فيه. فقواعد المنهج خلال الطور الأول لم تزل معمولاً بها خلال المنهج الثاني، وانضافت إليها قواعدُ جديدةٌ.
وكل دعوى عن اختلافِ المنهج، خلال أزمنة أهل المنهج، وبين أهله   دعوى باطلة، بعيدةٌ كل البُعْد عن فقه المسألة، وعن التدبّر في نشأة المنهج ودواعيه وأطواره.
وكيف يُتصوّرُ حصول اختلافٍ في المنهج، والمنهج إنما نشأ لحماية المنقولات من آفتي الخطأ والكذب؟! هل هناك من يقبل الخطأ؟! هل هناك من يقبل الكذب؟! هل هناك من يقبل ما يغلب على الظن أنه خطأ؟! هل هناك من يقبل ما يغلب على الظنّ أنه كذب؟!
أمّا إن ضربتَ أمثلةً للمسائل التي ادُّعي فيها الخلاف في المنهج: كالمرسل، والرواية عن أهل البدع، وزيادة الثقة، واشتراط عدم الشذوذ، واشتراط عدم العلّة... ونحوها من المسائل التي حُكي فيها الخلاف.
فإني أقول لك: لقد درسنا هذه المسائل وغيرها مسألةً مسألةً، فتبيّن لنا عدمُ صحّة وجود ذلك الخلاف المدَّعى، والذي نُقِل في أكثره أيضاً الإجماعُ، وإن اشتهر عند المتأخرين القول بالخلاف!!
ثم إن الخلاف المنهجيَّ لا يخفى، وهو أولى بالظهور والوضوح من الاختلاف في آحاد المسائل الجزئيّة، وأولى بالنقل، وأحرى بأن تقوم له المعارك العلميّة، وبأن تُصنَّفَ فيه الردودُ والردودُ على الردود... هذا هو المعتاد من سُنّه العلوم جميعاً؛ لأنه اختلافٌ منهجيٌّ ينبني عليه اختلافٌ عظيم في كثيرٍ من المسائل الجزئيّة.
وبَعْدُ... فأين هو هذا الاختلاف المنهجيّ في الصُّور التالية:
- أين هو في التوافق العجيب بين نقاد الحديث، من زمن شعبة والقطان وابن مهدي، إلى زمن البخاري ومسلم وأبي حاتم ومن بعدهم: في التصحيح والتضعيف والتعليل والجرح والتعديل؟ هل وجدتم أحداً منهم ردّ حكماً من آخر بدعوى اختلاف المنهج؟
- أين هو في ثناء المتأخر منهم على المتقدّم في علمه واطلاعه ودقّة أحكامه؟ كما فعل ابن أبي حاتم في (تقدمة الجرح والتعديل)، التي عقد فيها أبواباً لبيان عظيم مواقع الأئمة في النقد، ينقل فيها نماذج من أحكامهم على الأحاديث والرواة على وَجْه الإجلال والتعظيم لهم. وهم أئمةٌ مختلفةٌ أعصارهم، متباينةٌ طبقاتهم. ولم يقل مَرّةً واحدة: إن منهج فلان غير مقبول، أو يجب علينا أن ننتبه إلى منهجه الخاص في هذه المسائل أو تلك.
وفعل مثلَ ابن أبي حاتم جماعةٌ: كابن حبان في مقدّمة المجروحين، وابن عدي في مقدّمة الكامل.
- وكيف يقبل بعضُهم من بعضٍ الجرحَ والتعديلَ في الأعمّ الأغلب، ولا يختلفون إلا في جزئيات المسائل؟ أولو كان منهج النقد بينهم مختلفاً كانوا سيقبلون من بعضهم أحكامَهم في الرواة؟! أوليس الحكم على الراوي مرتبطاً كل الارتباط بالحكم على حديثه؟! والحكم على حديثه مرتبطاً بالحكم عليه؟! أين اختلاف المناهج في هذه المسألة؟!!!
- أولم يكونوا يتذاكرون العلم فيما بينهم، ويتناظرون في الأحاديث والرواة، ويفهم بعضهم كلام بعض، ولم يُنقل لنا قطّ أنه قال أحدهم للآخر: منهجك ليس هو منهجي، أو أنهم كانوا يختلفون في غير المسائل الجزئية.
- أولم يعرض البخاري صحيحه على بعض حفاظ زمنه؟ أولم يفعل ذلك مسلم؟ أولم يجمع الترمذي أقوال البخاري وأبي زرعة والدارمي في التعليل والجرح والتعديل في كتاب واحد؟ أولم يفعل نحو ذلك وأكثر منه ابن أبي حاتم في كتابه (العلل) و (الجرح والتعديل) و (المراسيل)؟ هل كان أولئك القوم مختلفي المنهج أم متفقين؟ إن كانوا مختلفين، كيف تسنَّى أن يؤخذ بأقوالهم جميعاً، وأن تُساق مساقاً واحداً؟ وإن كان هؤلاء هم الذين اتفقوا، وأن المخالفين لهم سواهم، قلنا: فمن القوم بعد هؤلاء، يا رجل؟!!! هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
- لقد نُقِل عن المحدثين اختلافٌ كثيرٌ في آحاد الرواة والأحاديث، وناقش بعضهم بعضاً في كثير من ذلك. فما بال الاختلاف في المنهج لا يُنقل عنهم فيه نقاشٌ ولا اعتراض؟! والحاصل أن نقل اختلاف المنهج أولى وأحْرى (كما سبق).
كل هذا وغيره يقطع باتّحاد المنهج، وإنّما يَدّعي الاختلاف من لم يُراع تلك الكليّات، ووقف عند بعض العبارات المشتبهة، ليبني عليها مذاهبَ ومناهج!! ومن هُنا أُتي من أُتي في هذا الباب. ولو ردّوا تلك المشتبهات إلى هاتيك المحكمات وأمثالها، لتبيّن لهم الحق بلا ارتياب.
ونعود بعد هذا الاستطراد إلى ما كنّا فيه: من التأريخ النظري لعلوم الحديث، والذي خلصنا منه إلى أن الزمن الذي اكتمل فيه تدوين السنة هو نفسه الذي اكتمل فيه نقد الحديث، وأنه لذلك كان منهجُ النقد الذي ينبغي أن يُرجع إليه هو ذلك المنهجَ الذي نشأ وتطوّر حتى اكتمل.
هذا ما كنّا وصلنا إليه أخيراً.
ولكن هناك بقيّةٌ لذلك العرض التاريخي النظري، لابُدّ أن نعرض له.
ذلك أن بلوغ منهج النقد درجة الاكتمال في زمنٍ ما، لاشك أنه سيعني أن بداية النقص ستبدأ من حيث اكتمل، اتّباعاً للسنة الكونية في ذلك: »لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ«. فما بعد بلوغ الغاية إلا النكوص، وما بعد صعود القمة إلا الهبوط.
ولكن هذا النقص لا يصح أن يُتصَوّر أن يبلغ حدَّ الهُوِيّ في القاع، ولا القفزة الواحدة التي تعود بصاحبها إلى حيث بدأ، بل لابُدّ أن يكون نقصاً تدريجيًّا. كما أنّه قد لا يشمل كل علماء ذلك العصر، فقد يبقى بعضهم على إرثه القديم محافظاً عليه.
ولذلك فقد يصح لنا نظريًّا أن نعتبر الزمن الأوّل بعد اكتمال نضج العلم، من أزمان أهل ذلك المنهج الذي يُرجع إليهم ويُحتكم إلى علمهم؛ لأنهم استطاعوا أن يكونوا امتداداً حقيقيًّا للزمن الذي اكتمل فيه المنهج، وأن لا يكونوا مجرّد وعاءٍ لذلك المنهج، بل أن يشاركوا أصحابه في تمام العلم به وكمال الأهليّة فيه.
وقد يشهد لذلك، ولمعرفة حدِّ ذلك الزمن الذي تعتبر علماءَهُ من أهل المنهج: ما لو وجدنا أولئك العلماء قد صنفوا في أصول العلم، وطبّقوا ذلك المنهج الذي ورثوه عمن سبقهم تطبيقاً يشهد لبلوغهم رتبة الاجتهاد المطلق فيه.
وسنستمر على اعتبار الزمن التالي لزمن اكتمال المنهج من عصور من يُحتجّ بمنهجه، إلى أن يبدو لنا أن ذلك النقص التدريجي قد ظهرت آثاره، وقويت ملامحُه واتّضحت؛ إلى حدِّ ظهور النقص في أهليّة علماء ذلك العصر عن رتبة الاجتهاد المطلق فيه، وإلى حدِّ إعلان علمائه أنّهم ليسوا سوى مترجمين لعلوم من سبقهم، وأنهم يتلمّسون آثار خطاهم تلمُّسَ من تخفى عليه بعض مدارجهم.
إن هذا التدرّج في مراحل تطوّر العلوم أمرٌ طبيعي، إذ إن انتقال العلم من مرحلةٍ إلى مرحلة لا يتمُّ فجْأة، ولكن يتم بالتدريج. بأن يكون العلم في المرحلة الأولى له خصائصه التي تميّزه، ثم يبتدئ بفقدان شيءٍ من خصائصه لصالح خصائص المرحلة التالية، التي تحلُّ شيئاً فشيئاً محل الخصائص الأولى. حتى يصل هذا التناقصُ التدريجي إلى درجة الانتصاف، فيكون العلم قد بلغ مرحلةً تحمل في طيّاتها نصف خصائص المرحلة الأولى ونصف خصائص المرحلة الثانية. وهذه المرحلة هي المرحلة الانتقالية، التي لا يُمكن معها أن تَفْصِل مرحلةً عن مرحلة[13]. ثم بعد ذلك تبتدئ كفة المرحلة الجديدة بالرجحان، وتتضح خصائصها بصورة أكبر، حتى تصلَ درجةَ الاتّضاح الكامل. والتي بوضوحها هذا تيقّنّا من مرور ذلك العلم بمراحل، وبوضوحها هذا استطعنا أن نعرف خصائص كل مرحلة التي تميّزها عن غيرها، وبوضوحها هذا (أخيراً) استطعنا أن نؤرّخ لذلك العلم[14].
وبعد هذا البيان الطويل، الذي أعتذر من جفافه، أدخل في بيان التحديد الزمني لتلك المراحل، ليكون لذلك العرض الثمرة المنشودة[15].



المقالة الثانية:
التاريخ الواقعي لأطوار علوم الحديث

المرحلة الأولى: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقتل عثمان رضي الله عنه سنة (35هـ).
وتتميّز هذه المرحلة بصفائها وبُعدها عن أسباب الخطأ والكذب، لعدم الإسناد، وقوّة الحافظة، وعدم ظهور الفتن، وشدّة الاحتياط في التبليغ للسنة.
وكان التدوين في هذه المرحلة قليلاً، ولم يكن بغرض التخليد، وإنما كان بغرض الإعانة على الحفظ في الصدور.
المرحلة الثانية: من مقتل عثمان رضي الله عنه، إلى انتهاء جيل الصحابة، بموت غالبهم، وكان ذلك نحو سنة (80هـ).
وتميّزت هذه المرحلة بحصول الفتنة التي فرّقت المسلمين أحزاباً وشيعاً، وبظهور بعض البدع، وبانتشار الصحابة في البلدان شرقاً وغرباً.
وفي هذه الفترة ظهرت المطالبة بالإسناد[16]، وفي المطالبة به دليلٌ على نشوء علم الجرح والتعديل[17]، وفي أن الجهل بحال المحذوف من الإسناد علةٌ يُردّ به الخبر[18].
ولم يزل التدوين في هذا الجيل قليلاً، لإمكان حفظ الصدورِ القيامُ بواجب النقل الكامل.
المرحلة الثالثة: وهي عصر التابعين، والذي يبتدئ من نحو سنة (80هـ) إلى نحو سنة (140هـ)، بموت غالب التابعين.
وقد كان لبداية طول الإسناد في هذه المرحلة، ولتشعّب الأسانيد، واختلاف رواتها، مع زيادة انتشار السنة، وزيادةِ الغلو في البدع ونشوء بدع أخرى، مما أدّى إلى أن يروي من ليس بأهلٍ للاطمئنان إلى روايته   أن كان الهاجسُ الأكبر لدى علماء التابعين حينها هو: خوفُ تفلُّتِ شيءٍ من السنّة، وتحديثُ من لا يؤمن على النقل، ووقوعُ الاختلال في ضبط المنقول.

فواجهوا كل خطرٍ من هذه الأخطار بما يدفعه:
- فخوف تفلُّتِ شيءٍ من السنة واجهوه بأمور، منها:
1 - استنفار الأمّة لجمع السنة، وذلك يظهر من كثرة عدد التابعين الذين نقلوا السنة؛ إذ إن كثرةَ الحَمَلَةِ يجعل فوات شيءٍ من السنة على جميعهم مستبعداً.
2 - الأمرُ بكتابة السنة أمراً رسميًّا من قبل عمر بن عبدالعزيز، وذلك في آخر القرن الهجري الأول أو أوّل الثاني، وائْتِمارُ التابعين لذلك، حتى كثر عدد التابعين الذين كتبوا السنة[19].
لكن مدوّنات هذا العصر كانت غالباً بغرض أن تُعين على الحفظ في الصدور، ولذلك كان بعض التابعين يمحو ما يكتب أو يغسله بعد حفظه [20]. ولم يكتب للتخليد إلا القليل منهم مصنفاتٍ مختصرة: في التفسير، والسيرة، وبعض أبواب الأحكام (كالطلاق، والمناسك، والصلاة)[21].
ويظهر من تلك المدوّنات استيلاءُ هاجس التفلّت على أصحابها، حتى كانت أبعد ما تكون عن العناية بحُسْن الترتيب والتبويب، ويختلط فيها المرفوع بالموقوف والمقطوع.
3 - زيادة ظاهرة الرحلة في طلب الحديث، لمواجهة واقعِ انتشارِ السنة في الآفاق[22].
وفي ذلك يقول الشعبي عن مسروق: ))ما علمت أحداً من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق((.
وقال مكحول الشامي: ))طُفْتُ الأرضَ في طلب العلم)).
- وخطورةُ تحديث من لا يُؤْتَمَنُ على النقل، واجهوه بأمور، منها:
1 - التشديد في المطالبة بالإسناد.
وهنا تأتي عبارة ابن سيرين علماً لهذا العصر، عندما قال: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم))[23].
2 - والمطالبة بالإسناد تعني ردَّ المراسيل، للجهل بحال المحذوف[24]. فقد ردّ المرسل جماعةٌ من التابعين: كابن سيرين، والشعبي، وعروة بن الزبير، والزهري.
3 - وإنما يُستفاد من المطالبة بالإسناد إذا ما مُيِّزَ بين الرواة العدول والرواة المجروحين، وهذا يستلزم الكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً.
وفي ذلك يقول ابن سيرين: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمّا وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة، فيؤخذُ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم))[25].
ويقول إبراهيم النخعي: ))كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن رجل، نظروا إلى صلاته وإلى سَمْته وإلى هيئته[26]((.
ولذلك فقد تكلّم في الرواة جماعةٌ من التابعين: كابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وطاوس اليماني، وعروة بن الزبير، والزهري، وأيوب السختياني، والأعمش، وغيرهم.
4 - تَرْكُ الرواية عن الفُسّاق وغير العدول من الرواة.
وهذا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه من سلف الأمّة وخلفها[27].
- ووقوعُ الاختلال في ضبط المنقولات، واجهه التابعون بأمور، منها:
1 - بكتابة السنة، فكما سبق، فإن كتابة التابعين للسنة كان غالباً بغرض تجويد الحفظ، ولم يكن بقصد التأليف إلا نادراً.
2 - تجويد الكتابة: بابتداع الإعجام[28]، وبتصحيح الكتاب[29]، وبمعارضة المكتوب على أصله[30]، وبالقراءة على الشيخ ما كُتبَ عنه[31].
3 - طلب المتابعات، والتحرّي بسماع الحديث الواحد من جماعة، وكراهية رواية غريب الحديث، خشيةً من الغلط والإخلال بالضبط.
يقول إبراهيم النخعي: ((كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث))[32].
وقال يزيد بن أبي حبيب: ((إذا سمعت الحديث، فانْشُدْهُ كما تنشدُ الضالّة، فإن عُرِفَ، وإلا فَدَعْه))[33].

وعندما أثنى أحدُهم عند أيوب السختياني على راوٍ لما له من الغرائب، قال له أيوب: ((إنما نفرُّ أو نَفْرَقُ من تلك الغرائب))[34].
ولذلك فإن قاعدة الترجيح بالأكثر عددًا من الرواة قاعدةٌ مجمعٌ عليها[35]، ودلّت عليها السنّة[36].
4 - نَقْدُ المتن، وعدم الاكتفاء بنقد السند.
قال الأعمش: ((كان إبراهيم - يعني النخعي - صيرفيًّا في الحديث، وكنتُ أسمع من الرجال، فأجعل طريقي عليه، فأعرض عليه))[37].
5 - الرحلة لطلب الحديث (وقد سبق الحديث عنها)، فهي من أسباب تقليل الوسائط، وتقليل الوسائط من أسباب تقليل احتمال الوهم، وهذا سبب الحرص على العلوّ في الأسانيد[38].
المرحلة الرابعة: وهي مرحلة أتباع التابعين، وتبدأ من سنة (140هـ)، وتنتهي سنة (200هـ).
وتميزت هذه المرحلة بخصائص: منها أن طال الإسناد أكثر ممّا كان عليه، وما يتبع ذلك من زيادة تشعُّب الأسانيد واختلاف الرواة، مع ما يصحب ذلك من تعسُّر الحفظ. كما أنه قد زادت أيضاً بعض خصائص المرحلة السابقة وضوحاً: كانتشار السنّة في الآفاق، وظهور البدع وغُلُوّ أصحابها فيها. كما أنّ هذه المرحلة قد ورثت جهوداً مباركة من الجيل السابق في جمع السنّة حفظاً وتدويناً، كما سبق، ممّا كان له أكبر الأثر في إعانة علماء هذه المرحلة على إتمام المسيرة.
وقد واجه العلماء أخطار هذه المرحلة بنفس الأمور التي واجه بها علماء المرحلة السابقةَ أخطارهم، وزادوا عليها أموراً:
- ففي مجال تدوين السنة: صار الحرص على التدوين كاملاً[39]، إلى درجة أن يهمّ شعبة بن الحجاج بأن يترك حديثَ أحد جِلّة التابعين ثقةً وإتقاناً، لأجل أنه لم يكن يكتب[40]. وحتى قال يحيى بن سعيد القطان: ((لئن أكون كتبتُ كل ما أسمع أحب إليّ من أن يكون لي مثل مالي))[41]. وحتى إن ترجيح رواية من يرجع إلى كتاب عند التحديث على من لا يرجع عند تحديثه إلى كتاب أصبح أمراً ظاهراً، حتى في الترجيح بين كبار النقّاد، كما قال القطان عن الثوري وشعبة: »سفيان أقل خطأً، لأنه يرجع إلى كتاب))[42]. ووصل الأمر ببعضهم إلى أنه لم يعد يأخذ الحديث إلا إملاءً، وانتشرت[43] لذلك مجالس الإملاء[44].
ومظاهر هذه العناية كثيرةٌ جدًّا، لكن اللافت للنظر في ذلك هو نشوء التصنيف المبوّب في هذا الجيل. ففي حين ازدادت كتابة النسخ غير المبوّبة على ما كانت عليه في المرحلة السابقة، وانتشرت الكتابة في بابٍ واحد من أبواب العلم (كالطهارة، والصلاة، والمناسك[45]، والفرائض[46]، والتفسير[47]، والزهد[48]، والجهاد[49]، والقدر[50]... ونحوها) [51]   فقد انضاف إلى ذلك نشوء أسلوب جديد، هو التصنيف المبوّب، ومن أوّل من قام بذلك الإمام مالك في كتابه الموطأ[52]، ثم صنّف غيره، كجامع ابن وهب، وجامع معمر (وهما مطبوعان)، وكجامع الثوري.
إن مثل هذا الترتيب يدل على ظهور الحاجةِ إليه، وإلى أن هاجس التفلّت الذي كان يشغل التابعين في تدوينهم ويُلْهِيهم عن الترتيب ابتدأ يخفت ويضعف، وأن بداية الشعور بأن التدوين أصبح أكثر استيعاباً للسنة من الرواية الشفهيّة أخذَ في النشوء في قلوب العلماء؛ ولذلك الْتَفَتُوا إلى التبويب، الذي الغرضُ منه التسهيل[53]، وهي حاجةٌ ليست في ضرورة الحفظ من الضياع، ولذلك لم تكن لتبرز لولا ما سبق.
ويُلاحَظُ على هذه المصنّفات: عدمُ دقّة الترتيب الموضوعي، وعدم تمييزهم فيها بين الصحيح والضعيف، وجمعُهم فيها بين المرفوع والموقوف والمقطوع؛ إذ كُلّها تحتاج في عصرهم إلى الجمع.
كما أنه يُلاحَظُ عليها: أنها ليست في ضخامة الكتب اللاحقة لها، وهذا كلّه أمرٌ طبيعي، فهي سمةٌ معروفة للمصنِّفين الأوائل والمصنّفات الأولى في كل فن.
لكن في آخر هذا الجيل ابتدأت تظهر بعض الموسوعات الحديثيّة، ممّا يشهد لسرعة البناء خلال هذا الجيل، وإلى المبادرة إلى إتمام الجهود لدى علماء السنة فيه. ولا أدلّ على ذلك من كتاب (المصنّف) لعبدالرزاق الصنعاني.
وفي آخر هذا الجيل ابتكر المحدّثون أسلوباً جديداً في التصنيف، لم يكن موجوداً في السابق.
لقد نظر المحدّثون إلى تلك المدوّنات والمجاميع والمصنفات، فوجدوا أنها شملت جميع أنواع المنقولات، من المرفوعات والموقوفات والمقطوعات. ولاشك أن قسم الأخبار المرفوعة هو أهمّ الأقسام، وأولاها بالجمع، وأحراها بالخوف عليه من التفلُّت. فبادروا إلى أسلوب في التصنيف لا يضمّ إلا المرفوعات، وهو التصنيف على طريقة المسانيد. وهو أسلوب في التصنيف يدل على أن ابتكاره لم يكن إلا  لغرض الجمع خشيةَ الضياع، لأن أسلوب ترتيبه ليس فيه تيسيرُ التصنيف على الأبواب، وإن كان فيه وَجْهٌ ضعيف من التيسير، وهو الترتيب على أسماء الرواة من الصحابة.
قال بكر بن خلف: ((قال عبدالرحمن بن مهدي حين طلبوا المسند: ما أحسن هذا، إلا أني أخاف أن يحملهم هذا أن يكتبوا عن غير الثقات))[54].
ألا ترى إلى قوله (طلبوا) التي تدلّ على استنفارٍ عامّ نحو هذا المنحى من التصنيف، والذي كان من قوّة الرغبة فيه إلى درجة أن خشي ابنُ مهدي أن يقود إلى شيءٍ من الشَّرَه في الرواية عن غير الثقات.
وقال الإمام أحمد في سياق انتقاده ليحيى بن عبدالحميد الحماني، الذي ادّعى أنه سمع من الإمام أحمد حديثاً مسنداً على باب ابن عُليّة: ((أي وقت التقينا على باب ابن علية؟ إنما كنا نتذاكر الفقه والأبواب، لم نكن تلك الأيام نتذاكر المسند))[55] وابن علية توفي سنة (193هـ)، فهذا يُبيّنُ أن العناية بالمسند إلى هذا العام أو قبله بقليل لم يكن ابتُدِئَ بالعناية به.
ويقول الحافظ ابن حجر في تأريخه للتدوين: »إلى أن رأى بعضُ الأئمة أن يفرد حديث النبي  صلى الله عليه وسلم خاصّة، وذلك على رأس المائتين. فصنّف عبيدالله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً، وصنف مسدّد بن مسرهد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى مسنداً، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً. ثمّ اقتفى الأئمةُ بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمامٌ من الحفاظِ إلا وصنّف حديثه على المسانيد، كالإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنّف على الأبواب والمسانيد معاً كأبي بكر بن أبي شيبة))[56].
وبهذا النشاط الهائل في الجمع والتدوين، تيسَّر للعلماء أن يواجهوا ذلك التشعّب الهائل للأسانيد، وأن يضبطوا اختلافَ الرواة في المتون والأسانيد، وهذا ما أعانهم على كمال النقد في هذه المرحلة.
- لقد اكتملت ملامح النقد في هذه المرحلة، حيث تحقّقت أسبابه. حيث إن الميزان النقدي الحديثي يعتمد كل الاعتماد على الإحاطة البالغة بالمنقولات، وعلى استحضارها جُملةً عند نَقْدِ كل حديث. وهذا يستلزم أن تكون محفوظةً في الصدور، ولم يكن لذلك الحفظ أن يتمّ لولا جهود العلماء في الجمع والتدوين[57].
إن علاقةَ نقد السنة بالحفظ لها في الصدور، ذلك الحفظ المتقن المحيط الواسع، لا يخفى على من عرف حقيقة ذلك النقد وعُمْقَه، وشموليّةَ معياره النقدي، ودِقّةَ ذلك المعيار، الذي يصل إلى حدٍّ يُشبه فيه الكهانة عند غير أصحاب العلم به[58].
وقد أُتيح هذا الحفظُ الواسع لأئمة هذه المرحلة، فجاء نَقْدُهم بملامحَ واضحةٍ لصورته النهائيّة التامّة.
ويكفي في هذه العجالة أن أُذَكِّر بثلاثةٍ أئمـةٍ من هذه المرحلة، بلغوا درجـةً سامية في النقد، بـل كانوا في الحقيقة أســاتذة النقـد في هـذه المرحلــة، وبعلمهم وجهودهم اكتمل النقد بعد ذلك الاكتمال النهائي. إنهم: شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي. إنها مدرسة النقد البصريّة، ذات الفضل الكبير على النقد الحديثي كُلّه.
قال يعقوب بن شيبة: ((قلت ليحيى بن معين: تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه، أي: لا. (قال يعقوب:) وسمعتُ علي بن المديني يقول: كان ممّن ينظر في الحديث ويُفتّشُ عن الإسناد، لا نَعْلَمُ أحداً أوّلَ منه: محمد بن سيرين، ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد وعبدالرحمن. (قال يعقوب:) قلت لعليّ: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان بن عيينة، قال: ما كان أشدَّ انتقاءَ مالكٍ للرجال))[59].
لقد بلغت العناية بالنقد في هذه المرحلة، والاطمئنان إلى كمال النّقْل والرواية، إلى حدِّ تقديم النقد وتعلُّمه على الرواية!!
يقول خلف بن سالم المخرِّمي: ((سمعتُ ابن عُليّة يقول: كُنّا نرى عند حميد (يعني الطويل) وسليمان (يعني التيمي) وابن عون الرجلَ والرجلين، فنأتي شعبة، فنرى الناسَ عليه. (قال خلف:) كان أصحابُ الحديث يريدون حُسْنَ المعرفةِ بالرجال وبمعرفة الحديث... وهكذا، كان هذا المعنى بيِّناً في شعبة إن شاء الله))[60].
ويصرِّح بذلك عبدالرحمن بن مهدي، فيقول: ((لأن أعرف عِلّة حديث واحد، أحبُّ إليّ من أن أستفيدَ عشرة أحاديث))[61].
ولهذه الجهود العظيمة في النقد، بات الاطمئنان على سلامة السنّة من تطرُّقِ الكذب إليها ثابتاً مستقرًّا في قلوب العلماء. حتى يأتي أحدُ الغيورين على السنة، فزعاً عليها من الأحاديث الموضوعة، إلى عبدالله بن المبارك، ليقول له في حيرةٍ ووجل: ((هذه الأحاديث المصنوعة؟!!!))، فيجيبه ابن المبارك ذلك الجواب المطمئن المسترخي، الذي يدل على عدم اكتراثٍ لذلك، قائلاً: ((يعيش لها الجهابذة))[62].
ولم يَنْجُ من التشدّد في النقد والجُرْأةِ على إنكار مواضع الشك كبارُ الحفّاظ، فضلاً عمّن دونهم. حتى كانوا يصيحون بالحافظ إذا تفرّد بحديث حتى يتركه، وهو صادق في روايته ضابطٌ!![63].
إنّه الاحتياط الذي لا يُغفل كُلَّ احتمالٍ للوهم والخطأ، وإن كان مستبعداً.
يقول عبدالرحمن بن مهدي: ((خصلتان لا يستقيم فيهما حُسْنُ الظنّ: الحُكْمُ والحديث))[64].
لقد انتهت هذه المرحلة، مؤذنةً ببداية أعظم عصور السنة، عصرِ الاكتمال والنضج النهائي.
المرحلة الخامسة: وهي القرن الهجري الثالث.
لقد دخل القرن الهجري الثالث بعد جهودٍ عظيمةٍ متتابعة من علماء الأُمّة في تدوين السنة وجمعها، وفي نَقْدها (تعليلاً وجرحاً وتعديلاً)، وتلقّى تلك العلوم الجليلة بقوّة وإقبال منقطعي النظير. ولذلك فإن الحديث عن هذا القرن وعن جهوده في خدمة السنة لا تقوم بها مقالة، ولا أيّ بحث أو كتاب، بل هو حقيقٌ ببحوث وكُتُب!! إن كل إمامٍ من أئمة هذا القرن لهو بحدّ ذاته مدرسةٌ عظمى (وما أكثر الأئمة في هذا القرن!!!) يجب على الدارسين لعلوم السنة أن يقيموا البحوث والدراسات حول منهجه وأثره على علوم السنة. غير أني في هذا المقال سألمس بعض الجوانب التي تبرزُ في هذا القرن جهودَ علمائه في تكميل جهود علماء القرنين السابقين له، حتى بلغ علماء هذا القرن بعلم الحديث القمّة السامقة، التي لا يُمكن أن يزاد على منهجها في النقل والنقد.
أمّا في مجال تدوين السنة، فهذا عصر أصول السنة العظام وأمهات المصنفات فيها، ففيه أُلّفت الكتب الستة وما يلتحق بها من مصادر السنة الأساسيّة. ولئن بدأ هذا القرن بالتصنيف على الطريقة السابقة، طريقة المسانيد والكتب الجامعة للأحاديث والآثار، كـ (المسند) لأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة وابن أبي عمر العدني وغيرها (كما سبق عن الحافظ ابن حجر)، وكمصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور. إلا أن منحى التكميل في هذه المصنفات يظهر من كونها أعظم شمولاً واتساعاً من الكتب السابقة على طريقتها في التصنيف؛ لأنه قُدِّر لمؤلّفيها أن يستفيدوا من الجهود السابقة، ليقوموا بتحقيق هدف الذين سبقوهم، وهو تقييد تلك الأحاديث والآثار خوفاً عليها من التفلّت وتيسيراً للباحثين عن السنّة عناءَ تجميع السنة من رواتها في أقطار الأرض، تلك المهمة الشاقّة التي استطاع غيرهم أن يسبقهم إلى أدائها والقيام بها.
وقد أدّت تلك الجوامع الكبار دَوْرها، وأثمرت ثمارها، وأينعت في منتصف هذا القرن، بأن ابتدأت أنظار العلماء تَلْتَفِتُ إلى شيءٍ آخر سوى الجمع، مما يشهد إلى أن الشعور بخوف ضياع شيءٍ من السنّة قد زال أو كاد، وهذا ما جعل العلماء يتّجهون إلى وجوهٍ جديدةٍ في خدمة تدوين السنّة، لا يقتصر في خدمته على مجرّد الجمع، بل يستثمر الجمع السابق للوصول إلى هدف آخر وغايةٍ أبعد.
والخدمة المتوقّعة بعد ذلك الجمع الذي لم يَعْتَنِ بتمييز الصحيح من السقيم؛ لأن الذين قاموا به كانوا يعتبرون الجمع الموسَّع في تلك المرحلة هو الأولى بالتحقيق   هو أن يُعتنى بتمييز الصحيح من السقيم، بل هذا هو الذي كان يجب أن يقوم به العلماء فعلاً بعد اكتمال الجمع؛ حيث إن هذا الجمع لن يؤدِّي هدفه الأخير بغير بيان ما يصلح منه للعمل والاحتجاج مما لا يصلح لذلك. وهذا ما سبق إليه الإمام البخاري، في كتابه (الصحيح)، بإشارة من أحد شيوخه (أحد أصحاب الجوامع الكبار) وهو إسحاق بن راهويه[65].
إن مجرّدَ إقبال البخاري على مثل ذلك الإبداع، وفي كتابٍ يسمه بالمختصر   ليدلّ على اتّضاح ملامح المرحلة التي تمرّ بها السنة عنده، وأنها قد أصبحت محتاجةً إلى مبادرة تقوم بتكميل جهود الجمع السابقة، بإخراج كتاب مختصر خاصٍّ بالأحاديث الصحيحة.
ولاشك أن البخاري لم يكن ليفكّر بهذا العمل لو كان هاجس ضياع السنة مُسْتَولياً على تفكيره، بل لم يكن ليقدر عليه (حتى لو فكّر فيه) لو لم تقم الجهود السابقة بضرورة جمع السنة.
ثم إن مسلماً تبع البخاريَّ في جمع كتاب مختصر في الصحيح، سائراً على خُطى شيخه في تحقيق الهدف نفسه.
فإذا أردنا الانتقال إلى وجه آخر من وجوه التصنيف المستحدثة في منتصف هذا القرن، أقدِّمُ ذلك ببيان الوجه الجديد من الخدمة الذي كانت السنة محتاجةً إليه في هذه المرحلة، بعد جهود الجمع السابقة الكبيرة التي قامت بواجب حفظ السنة من الضياع.
لقد ذكرنا سابقاً أن أسلوب التصنيف على (المسانيد) راعَى حاجة المرفوعات خاصّة للحفظ من الضياع، لأن الأحاديث المرفوعة هي أولى الأخبار بالنقل والحفاظ عليها، بل هي أساس علوم السنّة وأصلها. فلمّا قام العلماء بجمعها، نظر بعضُ أهل العلم في هذه الأحاديث المرفوعة، هل فيها ما هو أولى من بعضها بمزيد عناية؟ ولاشك أن ما ارتبط به عمل منها أولى بالجمع ومحاولة تيسير الاطلاع عليه، ألا وهو أحاديث الأحكام التي تُسْتَنْبَطُ منها مسائل الفقه والحلال والحرام. وهذا ما جعل أسلوب التصنيف على منهج كتب (السنن) يبرز أيضاً في منتصف هذا القرن، متميّزاً بسعة مؤلفاته، وباقتصارها على الأحاديث المرفوعة، مرتّبةً على أبواب الفقه.
وأوّل من بادر إلى هذا النوع الجديد من التصنيف هو أبو داود السجستاني في كتابه السنن، الذي قال عنه في (رسالته إلى أهل مكة): ((ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري))[66].
وقال أبو داود متحدّثاً عن موضوع كتابه: ))ولم أصنّف في كتاب السنن إلا الأحكامَ، ولم أصنف [فيه] كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها، فهذه الأربعة آلاف والثمانمائة كُلّها في الأحكام. فأمّا أحاديث كثيرةٌ صحاحٌ في الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرّجها [67] ((.
ولم يقف مظهر إبداع كتاب السنن لأبي داود عند هذا الحدّ، ولم يكن جانبُ خدمته للمرحلة التي تمرّ بها السنة في زمنه منتهياً عند العناية بأحاديث الأحكام فقط، بل تجاوزَ ذلك إلى تحقيق حاجتين اثنتين:
الأولى: العناية بإبراز ما كان حجّةً أو صالحاً للاحتجاج أو للاعتبار، والتنبيه على بعض ما احتجّ به بعضُ الفقهاء من الشديد الضعف[68].
إن هذا التمييز والانتقاء الراجعَ إلى درجة القبول أو الردّ، له من الدلالة على واقع المرحلة التي مَرّت بها السنة في هذه الفترة، كالدلالة التي استنبطناها من تصنيف البخاري لصحيحه.
الثانية: لمّا كان غرضُ أبي داود الأكبر هو بيان أصلح الأحاديث للاحتجاج بها في مسائل الأحكام، وحيث إنه لم يسبقه أحدٌ إلى مثل استقصائه في جمع هذا النوع من الأحاديث، وحيث إن الأحاديث منها ما هو مشهورٌ تتابع الرواة على نقله وما هو غريبٌ تفرّد بروايته آحَادٌ منهم، وحيث إن المشهور هو الأقرب إلى الصحّة والأقوم بالحُجّة على الخصوم   لذلك كُلّه خَصَّ أبو داود المشاهير من أحاديث الأحكام بالجمع دون الغرائب؛ لأنها هي الأولى بالجمع، لكونها الأقرب إلى صحّة الاحتجاج بها.
يقول أبو داود في (رسالته إلى أهل مكة): ((والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس. والفخر أنها مشاهير...))[69].
فهنا يذكر أبو داود أنه تَعمَّدَ أن لا يعتني بالغرائب، مع أن الغرائب أشهى عند المحدّثين من المشاهير التي (هي عند كل من كتب شيئاً من الحديث)؛ لأنّ جمعاً القَصْدُ منه إفادةُ الفقهاء ما يصلح للاحتجاج، وهو أوّلُ جمعٍ مُسْتَقْصٍ   لا يليق به أن ينساق وراء شهوة الإغراب، بل يحق لمن عَمَدَ إلى مثل هذا الجمع لذلك الغرض أن يقول: ((والفخر أنها مشاهير)).
وفي عصر أبي داود صنّف الترمذي جامعه، وابن ماجه سننه، وبعدهما النسائي سننه الكبرى والصغرى، وغيرهم كثير.
لقد استمرَّ التدوين في هذا القرن، حتى إنك لترى في أواخر هذا القرن بوادرَ تَرَفٍ علميّ في تدوين السنة، بِمِثْلِ التصنيف على منهج المشيخات[70]، وهذا الترف العلمي يدل على أن التدوين لم يَعُدْ يلحظ خطراً على السنة من تَفَلُّتِ شيءٍ منها. ولن يصلَ علماءُ السنة إلى هذا الشعور، إلا إذا اكتمل تدوين السنة تماماً، وأصبحت كُتُبُ السنة أوعيةً شاملة لجميع الروايات المدوّنة والشفهيّة التي تناقلها الرواة خلال قرونِ السنة الثلاثة هذه، وأنه لم تعد هناك رواية شفهيّة غير مدوّنة.
وهذا ما أرّخه الإمام الذهبي، حيث جعل رأس سنة ثلاثمائة الحدّ الفاصل بين أصحاب الروايات الشفهيّة ومَنْ بعدها مِمّن لا يروون إلا المدوّنات[71].
إننا في هذا القرن نصل مرحلة النهاية في باب التدوين، وهي نهايةٌ تناولت حفظَ السنة من الضياع، فلم يَعُدْ يُسمح لأحد أن يَدّعي وجود رواية شفهيّة لديه غير مزبورة في أحد الدواوين.
- أما في باب النقد: فبعد أن قرّرنا نظريًّا أن اكتمال التدوين يعني بلوغ منهج النقد مرحلة الاكتمال أيضاً، فيبقى بيانُ ذلك واقعيًّا:
ولا أدل على حصول ذلك واقعاً لمنهج النقد خلال القرن الثالث، من أنّ النصف الأول من هذا القرن قد شهد فيه علم العلل (الذي هو معيار النقد) ثراءً بالغاً وتطوّراً عظيماً، على يد أمثال علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهذا ظاهرٌ من خلال ما جُمع عنهم وما ألّفوه في التعليل والجرح والتعديل. ثم على يد الطبقة التالية لهم، من أمثال: البخاري، ومسلم، والدارمي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أهل طبقتهم.
يقول حاتم الرازي: ((كان يُحسن صحيحَ الحديث من سقيمه، وعنده تمييز ذلك، ويُحسنُ علل الحديث   أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة، كان يحسن ذلك. (فقيل لأبي حاتم: فغير هؤلاء، تعرفُ اليوم أحداً؟) قال: لا))[72].
ويقول أبو عبدالله بن منده في كتابه (شروط الأئمة)، وهو يذكر حفّاظ السنة على مَرّ العصور من مختلف البلدان: ((ثم انتهى علمُ جميع من ذكرناهم من المتقدّمين إلى هؤلاء الأئمة، وهم: أحمد بن محمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر، وعثمان: ابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن عبدالله بن نمير. ومن بعدهم: انتهى علم جميع من ذكرناهم من أهل الأمصار وأئمة البلدان إلى هؤلاء النفر، وهم أهل المعرفة والصحيح، وهم هؤلاء: محمد بن إسماعيل البخاري، والحسن بن علي الحُلْواني، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبدالله بن عبدالرحمن السمرقندي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود سليمان بن الأشعث وأبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي. فهؤلاء الطبقة المقبولة بالاتفاق، وبعلمهم يُحتجُّ على سائر الناس))[73].
وهذا البيهقي، بعد أن ذكر أن السنة قد دُوّنت جميعُها قبل عصره، وأنه لا يُقبل من أحدٍ في زمنه ادّعاءُ رواية شفهيّة غير مدوّنة، وأن الأسانيد في زمنه لا يُقصد بها إثباتُ الخبر، وإنما يُقصد منها إبقاءُ خصيصة الإسناد لهذه الأمّة   بعد هذا يقول: ((والذي ينبغي ذكره هاهنا: أن الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظاً، ثم كتبه بعضهم احتياطاً، ثم قام بجمعه، ومعرفةِ رواته، والتمييز بين صحيحه وسقيمه جماعةٌ لم يَخْفَ عليهم إتقانُ المتقنين من رواته ولا خطأَ من أخطأ منهم في روايته، حتى لو زِيْدَ في حديثٍ حرفٌ، أو نُقِصَ منه شيءٌ، أو غُيِّرَ منه لفظٌ يُغَيِّرُ المعنى   وقفوا عليه، وتَبَيَّنُوهُ، ودوّنوه في تواريخهم، حتى ترك أوائلُ هذه الأمةِ أوَاخرَها - بحمد الله - على الواضحة. فمن سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلَهم، واقتدى بهم   صار على بيّنةٍ من دينه))[74].
والنُّقول في هذا الباب كثيرة[75]، ونحن في الحقيقة مستغنون عنها بشاهد الوجود، وبعلم أولئك العلماء الحاضرِ بَيْنَ أيدينا، عن الاستدلال له بكلام شاهدٍ معاصرٍ أو قريبٍ من المعاصر (كالذين سبقوا).
فإضافةً إلى ما سبق، فإنه لا أدلّ على بلوغ منهج نقد السنة درجةَ النضج الكامل خلال هذا القرن، من أنه القرن الذي شهد تأليفاً يُمثِّلُ خلاصةَ ذلك المنهج النقدي، ويجعلها حقيقةً مشاهدةً، وذلك بالتأليف في الحديث الصحيح المجرّد، على يدي الشيخين: البخاري ومسلم، حيث بلغ وضوحُ المنهج النقدي لديهما إلى الحدّ الذي اعتُبر معه كتاباهما قمةَ التصنيف الحديثي وقمةَ المنهج النقدي في معرفة الحديث الصحيح، الذي هو خلاصة وثمرة المنهج النقدي كُلِّه. أيستطيع أحدٌ أن ينسى أن الصحيحين أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى؟!! هذا ما اتّفقت عليه الأُمّة، وأجمع عليه العلماء قديماً وحديثاً. وفي هذا الإجماع إجماعٌ من الأمّة على صحّة ذلك المنهج الذي سارَا عليه، بل في ذلك الاتفاق على كونهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى اتّفاقٌ على أن منهجهما أصحّ المناهج على الإطلاق.
نعم.. لقد خرجنا إذن بنقل الإجماع على أن منهج النقد في هذا القرن قد بلغ قمةَ التطوّر!!!
وهذا غاية ما نريد!!!
المرحلة السادسة: وهي القرن الرابع الهجري.
لقد دخل القرن الرابع وهو يحمل إرثاً عظيماً وثقيلاً، لقد كان مِنْ قَدَرِ الله تعالى له أن يكون مرحلةَ ما بَعْدَ الاكتمال، وليس بعد الاكتمال إلا النقص. وهذه سنةٌ سبق الكلام عنها في تاريخنا النظري، فلا غرابة في حصولها.
وقد أرّخَ لها بعضُ شهود العصر وغيرهم:
فهذا ابن حبان (ت 354هـ) يقول في مقدّمة (المجروحين): ((ولم يكن هذا العلم في زمانٍ قطُّ تعلُّمُه أوجب منه في زماننا هذا، لذهاب من كان يُحسن هذا الشأن، وقلَّةِ اشتغال طلبة العلم به؛ لأنّهم اشتغلوا في العلم في زماننا هذا، وصاروا حزبين: فمنهم طلبةُ الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار، وأكثرُ هِمّتِهِم الكتابةُ والجَمْعُ، دون الحفظ والعلم به وتمييز الصحيح من السقيم، حتى سمّاهم العوامُّ حشويّة. والحزبُ الآخر: المتفقّهة...))[76].
وأرّخ لهذا النقص الإمام الخطابي (ت 388هـ)، مشيراً إلى دخول علم الكلام على بعض المحدثين، كسبب من أسباب الخلل في عصره[77].
وعبّرَ عن ذلك كُلِّه شَاهِدُ عَصْرٍ ثالثٍ، وهو أبو محمد الحسن بن عبدالرحمن ابن خَلاّد الرامهرمزي (ت 360هـ)، فقال منشداً، مشيراً إلى نفسه:
قُلْ لابن خَلاّدٍ إذا جئتَه     مُسْتَنِداً في المسجد الجامعِ
هذا زمانٌ ليس يحظى به     حدثنا الأعمشُ عن نافعِ[78]





ولشاهد عصر رابعٍ موقفٌ مؤثِّرٌ ومعبِّرٌ عن ذلك النقص، وهو أبو عبدالله ابن منده (ت 395هـ)، فقد رُئيَ في سَفْرةٍ ومعه أربعون وِقْراً من الأحمال، فسُئل عنها، فقال: ((هذا متاعٌ قلَّ من يرغبُ فيه في هذا الزمان، هذا حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم))[79].
ومن الشهادات المهمّة لإمامٍ متأخّر، شهادةُ مجد الدين ابن الأثير (ت606هـ)، حيث ذكر مراحل علوم السنة، إلى أن ذكر عَصْرَ البخاريِّ ومسلمٍ وكتابيهما في الصحيح، ثم قال: ((إلى أن انقرضَ ذلك العصرُ الذي كانا فيه حميداً عن جماعةٍ من الأئمة والعلماء، قد جمعوا وألّفوا: مِثْلِ أبي عيسى الترمذي، وأبي داود السجستاني، وأبي عبدالرحمن النسائي، رحمةُ الله عليهم، وغيرهم من العلماء الذين لا يُحصَوْن كثرة. وكأنّ ذلك العصر كان خُلاصةَ العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى. ثم من بعده نَقَصَ ذلك الطلبُ بَعْدُ، وقلَّ الحرصُ، وفَتَرَتْ الهِمَم. وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها، فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً، ولا يزال يَنْمِي ويزيد، ويعظم إلى أن يصل إلى غايةٍ هي مُنْتَهَاهُ، ويَبْلُغَ إلى أمدٍ هو أقصاه، ثم يعود. فكأنّ غايةَ هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما من علماء الحديث، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزدادُ تقاصُراً والهممُ قصوراً، سُنّةَ الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا))[80].
وأرّخَ لهذا النقص الإمام الذهبي في غير ما كتابٍ من كتبه[81]، وقد كنتُ تحدّثت عن هذا النقص وأسبابه في كتابي (المنهج المقترح).
لكن سبق أن قلنا في التاريخ النظري لهذه المراحل: إن هذا النقص لم يكن هُوِيًّا سريعاً إلى القاع، بل كان نقصاً تدريجيًّا. ولذلك فإن المُتَصَوَّرَ هو أن يبقى في هذا القرن شيءٌ كثيرٌ من خصائص القرن السابق، وستثبت كثيرٌ من ملامح ازدهاره. وإن كان أوّلُه في ذلك أسعدَ حظًّا من آخره، وآخرُهُ لرُبّما كان آخرَ من نال حظًّا غالباً من هاتيك الخصائص والملامح!
ومن مظاهر هذا التدرّجِ في النقص، أنه لم يكن شاملاً لكل علماء السنّة خلال القرن الرابع. بل لم يزل في علماء السنة خلال القرن الرابع من هم امتدادٌ لعلماء القرن الثالث، دلّت على ذلك شواهدُ الوجود، من المؤلفات والمصنفات التي خلّفوها، في أصول العلم ومختلف فنونه[82]. ولا أدلّ على ذلك أيضاً من أنّ بعض من أرّخوا لذلك التناقص هم من أهل ذلك القرن، ومن أنّهم عرفوا مظاهر ذلك النقص، فلم يكتفوا بالتنزّه عنها، بل سعى بعضهم إلى مقاومتها.
فهذا ابن حبان يعيب على طلبة السنة في زمنه عدمَ العناية بحفظ السنة، والاكتفاء بالجمع كتابة، ويعيب عليهم أيضاً عدم تمييز الصحيح من السقيم. ثم هاهو يؤلف كتابه (التقاسيم والأنواع) على ترتيبٍ لا ينتفع به إلا من حفظه، ويصرّح ابن حبان بهذا المقصد في مقدّمة كتابه[83]. وكتابه هذا خصّه بالصحيح المجرّد عنده، دالاًّ بذلك على أنه لم يخالف إلى ما نهى عنه من عدم تمييز الصحيح من السقيم.
وهذا الإمام الدارقطني (ت 385هـ)، الذي به خُتِمَ معرفة العلل (كما يقول الإمام الذهبي)[84]، يتنزّه عن أحد أسباب تناقص علوم السنة في القرن الرابع، وهو العناية بعلم الكلام[85]، فيقول: ((ما في الدنيا شيءٌ أبغضُ إليّ من الكلام))[86].
وهذا الإمام الرامهرمزي (ت 360هـ) يؤلف كتابه الأصيل (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)، لغرض مقاومة مظاهر النقص في زمنه، التي كانت سبباً لتشنيع خصوم المحدثين عليهم[87].
وهذا الحاكم أبو عبدالله (ت 405هـ)، الذي يكاد يمثِّلُ آخر ذلك الجيل، يؤلف كتابه الجليل (معرفة علوم الحديث) لهذا الغرض أيضاً، حيث يقول في مقدّمته: ((أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قَلّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث))[88].
إذن فذلك النقص في علوم السنّة خلال القرن الرابع لم يصل إلى درجة اندراس آثار ازدهاره في القرن الثالث، هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى: فهو لم يُفقد جميعَ علماء السنة في ذلك العصر شيئاً من أدوات الاجتهاد فيه، فلم يزل فيهم أئمةٌ مجتهدون في العلم به، ومن أهل النقد فيه: بتمييز صحيحه من سقيمه، وتعليل رواياته، وجرح وتعديل رواته[89].
ومع ما ذكرناه آنفاً من أن تدرّج النقص، الذي هو سنةٌ لا تتخلّف في مثل هذه الأمور عادةً، يُلْزِمُ بأن لا نتصوَّرَهُ نقصاً يقضي على ملامح ازدهاره السابقة فجْأةً، وأنه لابُدّ من حفاظِه على كثيرٍ من خصائص العصر الذهبيّ للسنّة   فإننا سَنُعَزِّزُ هذا المعنى من وَجْهٍ آخر.
فقد سبق أن قرّرنا بأن علماء الأمّة كانوا ينتقلون بالسنة من مرحلةٍ إلى مرحلة حَسَبَ ما كانت تبدو لهم حاجاتُ السنّة في عصرهم، وما هي مجالات خدمتها الضروريّة التي يجب أن يُبَادَرَ إلى القيام بها، وما هي الأخطار التي يُخشى على السنة منها في زمنهم ليُسارعوا إلى دَفْعِها.
وفي القرن الرابع: لاشك أن دواعي نقص حفظ الصدور قد ازدادت، بتدوين السنة كُلّها، مما يجعل الاعتماد على المكتوب أيسر وأقرب. كما أن زيادة طول الأسانيد وتشعُّبِها واختلافِ رواتها قد أدّى إلى تعسُّرِ الحفظ أيضاً. فاجتمع لنقص حفظ الصدور سببان: الاطمئنانُ على السنة بعدم ضياع شيءٍ منها، وصعوبةُ حفظها مع امتداد زمن الرواية. ولذلك فقد كان عدمُ الحفظ في الصدور هو الخَلَلَ الذي نصّ عليه ابن حبان، مما أرّخ لظهوره في طلبة العلم في زمنه.
ومع وجود هذا الخلل (نقصُ حفظ الصدور) إلاّ أنه لم يشمل أئمةَ النقد في هذا العصر، مع أنهم هُمْ أنفسهم واقعون تحت ضغط سَبَبَيْ نقص الحفظ الآنفَيْنِ. ذلك أن أئمة النقد هؤلاء قد عرفوا أن السنّة لم تزل في حاجةٍ إلى خدمة ضروريّة، تتمِّمُ خدمةَ علماء القرون السابقة، وهذه الخدمة لا يقوم بها إلا من اكتملت فيه آلات الاجتهاد في علوم الحديث، والتي من أهمِّها إحاطةُ حفظ الصدور بالمرويّات. ولذلك فقد استطاعوا أن يُقَاوموا سببَ نقصِ الحفظ، وأن يستمرّوا على نهج أسلافهم من أهل القرن الثالث فيه، بل أن يحاولوا مقاومةَ تلك الظاهرة في أهل جيلهم، كما سبق عن ابن حبان.
والاستدلالُ لصحّة هذا التقرير يحتاج إلى بيان ما هي تلك الضروريّات من وجوه الخدمة التي تستلزم الحفظَ الكاملَ في الصدور، وكانت هي سبب اكتمالِ آلاتِ الاجتهاد في أئمة النقد خلال القرن الرابع.
- ففي مجال تدوين السنة، الذي قرّرنا أنه قد اكتمل في القرن الثالث، لم يزل هناك مجالٌ لخدمته خدمةً مهمّة، وهي خدمةٌ لا يستطيع أن يقوم بها إلا الحفّاظ الكبار أصحاب الاطلاع الكامل على السنة وأسانيدها.
ذلك أن اكتمال تدوين السنة في مصنّفات متفرّقة ومدوّنات متعدّدةٍ كثيرة غير كافٍ وحده لتيسير الاطّلاع على تلك البحار المتلاطمة من الأسانيد والروايات، خاصةً تلك الأسانيد الغرائب والأحاديث الأفراد، التي هي ليست من الشهرة بحيث تتكرّر في كثير من المصنّفات، ليضمن الباحثُ بسبب شهرتها أنه سيطّلع عليها حتى لو فاته الوقوفُ على بعض مصنفات السنة، إذ إن بعضَ المصنفات سيكفي في تلك المشاهير عن بعضها الآخر. أمّا تلك الغرائب والأفراد، فيُخشى عليها (لقلّة انتشارها في المصنّفات) أن لا يَطّلعَ عليها المحتاجُ إليها، وأن يفوته الوقوفُ عليها في بعض ما لم ينظر فيه من مصنفات السنة الكثيرة.
ولهذا.. فإن اعتبارَ أبي داود أن الفخر في أحاديث كتابه أنها مشاهير، لأنّها كانت أولى ما يجب أن يُدوّنَ ويُجْمع في زمنه، لم يَعُدْ هو الفخر بعد أن دُوّنت تلك المشاهير. بل الفخر هو أن تُدَوّن الغرائب، لتتمَّ خدمة السنة، بضمّ الغرائب إلى المشاهير!
وهذا هو ما يُفسِّرُ ذلك الاهتمام البالغ لدى عموم حفّاظ القرن الرابع بهذا الصنّف من الروايات: الروايات الغرائب، التي هي مع العوالي[90] مادّةُ كتب الفوائد والأمالي التي انتشرت انتشاراً واسعاً في هذا القرن.
بل لقد قامت مؤلّفاتٌ ضخام لجمع تلك الغرائب، مثل: المعجم الأوسط للطبراني (ت 360هـ)، والغرائب والأفراد للدارقطني (ت 385هـ)، وهما أكبر كتب الغرائب وأجلّها مطلقاً.

بل حتى من عَمَدَ إلى التأليف على منهج كتب السنن، أي في جمع أحاديث الأحكام، لم يَعْمَد إلى جمع المشاهير كما فعل أبو داود، وإنّما عمد إلى جمع غرائب أحاديث الأحكام، كما فعل الإمام الدارقطني، في كتابه الجليل (السنن)[91]. وكأنه بذلك يُتمّمُ عمل أبي داود، ويؤلف كتاباً في الزوائد عليه[92].
إن حاجة السنة إلى إبراز الأسانيد الغرائب؛ لما لها من علاقة كبيرة في التعليل والجرح والتعديل، ولأنّ منها ما هو صحيح مقبول أيضاً (وإن كان أكثرها ليس كذلك)   هذا هو الذي جعل علماء هذه المرحلة يسعون إلى القيام بهذه المهمة الشاقّة.
لكن الحكم بالغرابةِ والتفرُّدِ ليس أمراً مقدوراً عليه لعموم المحدّثين، فضلاً عمّن سواهم، بل هو من خصائص كبار حُفّاظ السنّة؛ لأنّ الحكم بالغرابة يتضمّن دعوى الاطلاع على السنة جميعها، فلا يقوم به إلا من كان أهلاً لمثل هذه الدعوى.
ولذلك قال محمد بن طاهر المقدسي (ت 507هـ) في مقدّمة كتابه: أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني: ((وأمّا الغريب والأفراد فلا يُمكن الكلام عليها لكل أحد من الناس، إلا من برع في صنعة الحديث))[93].
وهذه الحاجة المُلْجِئةُ إلى استمرار حفظ الصدور، للقيام بهذه الخدمة للسنة، كانت إحدى دواعي استمرار ذلك الحفظ، الذي هو آلة الاجتهاد المطلق في نَقْدِ الحديث.
ولنَقْصِ هذه الآلة عند المتأخّرين منع ابنُ الصلاح المتأخرين من الاستقلال بالحكم على الحديث بالضعف، لمجرّد ضعف السند، لاحتمال وجود متابعةٍ لم يقفوا عليها؛ إلا إنْ حَكَمَ أحدُ أئمة الحديث بغرابة ذلك السند[94] .
بل يُصرّح السيوطي بالمسألة نصًّا عليها، فيقول متحدّثاً عن المتأخرين: ((وينبغي التوقُّفُ عن الحكم بالفرديّة والغرابة؛ لاحتمالِ طريقٍ آخر لم يقف عليه، وعن العِزّة أكثر؛ لضيق شرطها))[95].
إذن فحاجة تمييز الغرائب، التي لا يقوم بها إلا حُفّاظ الصدور الحفظَ الواسع   كانت هي إحدى أسباب استمرار علماء القرن الرابع على أن تبقى آلةُ الاجتهادِ في الحديث مكتملةً فيهم.
- وفي مجال نقد الحديث: لئن ورث هذا القرنُ منهجاً مكتملاً في النقد، إلا أن هذا المنهج المكتمل في القرن الثالث، لم توجد مصنّفاتٌ تستوعبُ كُلّ أحكامه على الأحاديث والرواة.
فمثلاً: قمةُ المنهج النقدي، التي هي تمييز الصحيح من السقيم، هل استوعبت جميعَ الأحاديث الصحيحة في مدوّنات القرن الثالث؟ لاشكَّ أنها ليست كذلك. وليس أدلّ على ذلك ممّا جاء في اسم كتابي البخاري ومسلم، وهما أجلّ ما أُلف في الصحيح خلال القرن الثالث، من تسميتهما بـ (المختصر)[96].
إذن فهناك أمرٌ ضروريٌّ يجبُ أن يقومَ به علماءُ القرن الرابع، وهو تكميلُ جهود السابقين في تجريد الحديث الصحيح، بعد كتابي البخاري ومسلم.
وكما سبق، فإن الحكم على الحديث بالصحّة[97] هو في الحقيقة قمّةُ الميزان النقدي، وخلاصةُ العلمِ به وبجميع فنونه. ولذلك فهو حقٌّ موقوفٌ على أهل الاجتهاد المطلق في الحديث، لا يُمكن لغيرهم أن يقتربوا من هذه الغاية.
وقد عرفنا أن حفظَ الصدور الحفظَ المحيطَ هو أوّل آلات الاجتهاد المطلق في السنّة، وما دام الاجتهادُ المطلق هو الذي سيتيحُ لعلماء القرن الرابع أن يقوموا بذلك الواجب الضروري، وهو تجريد الصحيح   فلن يعجزوا عن بلوغ هذه الرتبة، ولن يتأخروا عن طلب تحصيلها، ليؤدُّوا الأمانةَ التي في أعناقهم للأمة من بعدهم.
وقد صرَّح ابنُ حبان بهذه الخدمة الضروريّة في زمنه، وبالداء الذي ظهر في بعض طلبة الحديث في زمنه ممّا لا يُمكنّهم من القيام بتلك الخدمة، ألا وهو عدمُ الحفظ والعلم[98]، عندما قال عن طلبة الحديث: ((فمنهم طلبةُ الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار،وأكثر هِمّتهم الكتابةُ والجمع، دون الحفظِ والعلمِ به وتمييزِ الصحيح من السقيم))[99].

وها هو ابن حبان يكون أحد من يؤلف في الصحيح، واضعاً نُصْبَ عينيه الحرصَ على زيادة عدد الصحيح[100]، ومرتّباً لكتابه على طريقةٍ لا ينتفع بها إلا من حفظه (كما سبق)، ليقاومَ (من جهة أخرى) ذلك الخلل في منهج التعلُّمِ في زمنه[101].
بل هذا الحاكم، يَقْصدُ إلى هذا الغرض صراحةً، عندما يؤلف كتابه (المستدرك على الصحيحين).
إذن فحاجة السنة إلى تمييز الصحيح، كانت سبباً آخر في استمرار اكتمالِ آلة الاجتهاد عند علماء القرن الرابع.
ومن هذه الحاجة إلى حاجة أخرى، لا تَقِلُّ في ضروريّتها عن تمييز الصحيح، ولا في كونها حقًّا موقوفاً على أهل الاجتهاد المطلق، وهي: بيان علل الأحاديث.
ولا أظنني في حاجةٍ إلى التأكيد على أن علم العلل هو كهانةُ علم الحديث عند الجُهّال أمثالنا، وأنَّى لي أن أحتاج إلى ذلك مع تقرير عامّة المتأخرين لذلك.
وإن علماً هذه مكانته، لاشك أن أوّل آلات الاجتهاد فيه هي الحفظ الواسع.
وبَعْدُ.. فهل هناك من شك أن أجلّ ما بلغنا من كتب العلل هو كتاب العلل للدارقطني (ت 385هـ).
يقول الحُميدي (ت 488هـ): ((ثلاثةُ كتبٍ من علوم الحديث يجب التّهمُّمُ بها: كتاب العلل، وأحسن كتابٍ وُضع فيه كتاب الدارقطني))[102].
وقال ابن كثير، بعد أن ذكر عدداً من كتب العلل: »وقد جمع أزمّة ما ذكرناه كُلَّه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجلّ كتاب، بل أجلّ ما رأيناه وُضع في هذا الفنّ، لم يُسبق إلى مثله، وقد أعجز من يُريد أن يأتي بشكله، فرحمه الله وأكرمَ مثواه))[103].
والعجبُ الذي لا ينتهي أن الدارقطني أملى هذا الكتابَ حفظاً[104]!!!
ولذلك حُقّ للذهبي أن يقول، بعد ذكره إملاءَ الدارقطني لكتاب العلل: »فمن أراد أن يعرف قَدْرَ ذلك، فَلْيُطالعْ كتاب العلل للدارقطني، ليعرفَ كيف كان الحُفّاظ؟!))[105]. وقال في موطن آخر: ((إن كان كتاب العلل الموجود قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلّت عليه هذه الحكاية، فهذا أمرٌ عظيم، يُقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا...))[106].
فمن يستطيع بعد ذلك أن يدّعي أنّ الدارقطني ليس من أهل الاجتهاد المطلق في علوم الحديث؟!!
ومن يستطيع بعده أن يظن بأن القرن الرابع لم يكن من عصور أهل النقد والاصطلاح الحديثي، الذين هم أهل الفنّ مِمّن يُحْتكمُ إليهم؟!!
ولا أنسى في غمرة هذه الحُجَج الباهرة، أن أُذَكِّرَ بعالمٍ آخر، يكفي أن أُسمِّيَهُ وكتابَهُ، لِنَضُمَّهُ إلى أهل الاجتهاد المطلق في علم الحديث خلال القرن الرابع. ألا وهو أبو أحمد ابن عدي (ت 365)، وكتابه (الكامل في ضعفاء المحدثين وعلل الحديث).
ولقد كان يكفي لبيان أن القرن الرابع من عصور أهل الاصطلاح والنقد الحديثي أن أُسمّيَ أولئك النقادَ فقط![107]
وبذلك نخلص إلى أنّ اكتمال تدوين السنة واكتمال منهجها النقدي في القرن الثالث، لا يعني انقضاءَ زمنِ أئمةِ الاجتهاد المطلق فيه، بل لقد استمرَّ ذلك خلال القرن الرابع. فقد بيّنّا ذلك واقعاً، واستدلالاً لسبب وقوعه.
المرحلة السابعة: وهي القرن الخامس فما بعده.
لقد انتهينا آنفاً إلى أن علوم السنة ابتدأت في التناقص مع نهاية القرن الثالث وبداية الرابع، وحيث إن هذا التناقص كان تدريجيًّا، وحيث إنه لم تزل هناك مَنَاحٍ لخدمة السنة لا يقوم بها إلا من اكتملت فيه آلات الاجتهاد المطلق   فقد استمرّ هذا القرن مستمسكاً بخصائص القرن السابق له، ولذلك فقد كان من علماء القرن الرابع من كانوا أهلَ اجتهاد مطلق، وألّفوا في أصول العلم وفروعه مصنفاتٍ هي عمدةٌ في بابها لمن أراد أن يتعلّم علومَ السنة.
لكن ذلك التناقص في علم السنّة الذي ابتدأ من أول القرن الرابع متدرّجاً، لم يصل إلى بداية القرن الخامس حتى اتّضحت ملامحه، وقويت أسبابه، وانتشرت دائرةُ أثره، فلم يكد ينجو منه أحد. وهذه هي سُنّة العلوم، كما هو معلوم.

فلقد بدأ القرن الخامس وقد بَلَغَ طولُ الأسانيد وتشعُّبُها واختلافُ رواتها مبلغاً هائلاً، ووافق ذلك أن السنّة كُلّها قد دُوِّنت قبل القرن الخامس بقرنٍ من الزمان، ثمّ جاءت مصنّفات القرن الرابع لتقرّبَ قَصِيّ السنّة وتُيَسِّرَ عسيرها، وانضاف إلى ذلك أن أحكام أئمة النقد خلال القرن الرابع فما قبله كانت من الثراء والضخامة إلى درجة الإشعار بالكفاية والغَنَاء[108] فكيف لا يتناقص الحفظ للسنّة في هذا القرن ذلك النقصَ الكبير؟!! بعد وجود أسبابه على أكمل صورة!!
وقد علمنا أن حفظَ الصدور لأسانيد السنّة واختلافِ طرقها هو أوّل أدوات الاجتهاد المطلق في السنّة، فإذا لم يتحقق ذلك الحفظ الواسع عند أحدٍ من أهل العلم أو في أهل جيل منهم، لم يكن أولئك العلماء من أهل الاجتهاد المطلق فيه.
وبناءً على هذا التقرير فإن القرن الخامس ليس من عصور أهل الاجتهاد المطلق في السنة، هذا ما يُمليه علينا التاريخ العلمي للسنّة وعلومها، دون مزايدةٍ على مسألة إجلال أهل العلم ومعرفة أقدارهم.
ونحن نسأل من يأبى إلا المزايدة على تلك المسألة: هل استمرّ الاجتهاد المطلق في علوم السنّة إلى اليوم؟ أم انتهى عند عصر من العصور. فإن قال إنه مُستمرٌّ إلى اليوم، سألناه عن آلات الاجتهاد المطلق، وهل تحقّقت في أحدٍ من أهل هذا العصر، بل فيمن قبلهم بقرون؟!!! وإن قال إنه ينتهي في العصر الفلاني أو الفلاني، قلنا له: ولمَ لا يكون قبله أو بعده؟ أرّخْ لنا علوم السنة مبيّناً لنا كيف قُلتَ بهذا القول، ثمّ يُمكن لغيرك أن يرفع عليك عصاً كنتَ قد رفعتها على من سواك، هي المزايدة على إجلال العلماء وتقديرهم ممّن جاؤوا بعد العصر الذي اخترته.
إن اعتبار علماء القرن الخامس ممن نقصت فيهم أهليّة الاجتهاد في علوم السنة عن درجة الاجتهاد المطلق ليس رأياً مبتدعاً، ولا هو بالقول العريّ عن الدليل، فقد سبق الاستدلال له، وسيأتي مزيد تقرير له. وأمّا كونه ليس رأياً مبتدعاً، فقد سبق إليه عالمٌ كبير، حيث ذكر رأيه في هذه المسألة، واختلفت فُهُوم العلماء لها. أعني ابن الصلاح (رحمه الله) ورأيه في مسألة التصحيح والتضعيف لأهل الأعصار المتأخّرة.
ولن أدخل غمار هذه المسألة هنا، ولكني أريد أن أقرّر تقسيم ابن الصلاح كما يراه هو.
فلقد قسّم ابن الصلاح العلماء إلى قسمين مختلفي الأعصار: فعلماء الأعصار الأولى هم الذين يحق لهم الاستقلال بالحكم على الأحاديث (أسانيد ومتوناً)؛ لاكتمال آلة الاجتهاد فيهم. وعلماء الأمصار المتأخّرة هم الذين لا يحق لهم ذلك الاستقلال بالحكم؛ لنقص أهليتهم عن هذه الرتبة[109].
ولا أُريد هنا مناقشة هذا الرأي، تأييداً أو ردًّا، ولكني أريد أن أستثمره في معرفة الحدّ الذي اعتبره ابن الصلاح بداية الأعصار المتأخّرة التي لا يحق لعلمائها الاستقلال بالحكم على الحديث لنقص أهليّتهم.
وقد كتبتُ بحثاً في ذلك، وهو في طوره للنشر. لكني أختصره هنا ذاكراً نتيجة ذلك البحث ودليلَه بإيجاز.
لقد ذهب ابن الصلاح إلى أن القرن الرابع فما قبله هو من عصور أهل الاجتهاد المطلق، وأمّا القرن الخامس فهو من العصور المتأخّرة التي نقصت أهليّة علمائه عن بلوغ تلك الرتبة.
والدليل على أن ابن الصلاح قد حدّد هذا التحديد أمران:
الأول: أن ابن الصلاح لمّا ذكر العلماءَ الذين يُعتمد على أحكامهم في التصحيح، ذكر علماء من القرن الثالث والرابع، فكان ممن ذكرهم من القرن الرابع: ابن حبان (ت 354هـ)، والدارقطني (ت 385هـ)، وجاء آخرهم الحاكم (ت 405هـ)[110]. ولم يذكر ابنُ الصلاح أحداً بعد الحاكم، بل كان ذِكْرُهُ للحاكم وانتقاده له بالتساهل في التصحيح يدل على أنه عنده يمثِّلُ آخر المرحلة التي هو منها، وكأنّه آخر الموجة التي تكسّرت على أسوار القرن الخامس الهجري!
الدليل الثاني: أنّ ابن الصلاح ربط هذا التقسيم وعَلّله بتحقُّقِ صفات، هي تدوين السنّة الذي أدّى إلى نقص الحفظ، ذلك التدوين الذي لم يُبْقِ لأسانيد المتأخرين إلى دواوين السنّة دوراً في إثبات النقل، وإنما هي رمزٌ وخصيصةٌ للأمّة المحمّديّة، يُحرص على أن لا تزول. ولذلك فإنه يُتساهَل مع رواة الأعصار المتأخّرة، اكتفاءً منهم بحفظ تلك الخصيصة الإسناديّة[111].
وبذلك يعتبر ابنُ الصلاح أن العصر الذي تتحقق فيه تلك الصفات هو عصر عدم الاستقلال بالحكم على الحديث؛ لنقص أهليّة علمائه عن ذلك.
وبعد أن قرّر ابنُ الصلاح هذا الأمر، أورد كلاماً للبيهقي (ت458هـ)، يذكر فيه البيهقي أن عصره قد تحقّقت فيه تلك الصفات[112].
إذن فعصر البيهقي، والبيهقي نفسه، ليس من أهل الاستقلال بالحكم على الحديث عند ابن الصلاح، لعدم كمال الأهليّة.
ولا يُمكن أن يكون ابن الصلاح قد أخرج القرن الرابع إلى هذا الحدّ الممنوع أصحابُهُ عن الاستقلال بالحكم على الحديث؛ لأنّه صرّح بقبول ذلك الاستقلال من بعض أعيانه، كما سبق.
والبيهقي عَلَمٌ من أعلام النصف الأول من القرن الخامس.
والنتيجة: هي ما سبق أن ذكرناه، من أن القرن الخامس عند ابن الصلاح ليس من عصور علماء الاجتهاد المطلق في السنة!!
وبذلك يتّضح أن ذلك الحدّ الذي تبنّيتُه ليس حدًّا مبتدعاً، فهو قولٌ لإمام معتبر، والدليل يؤيّده، ولا أعرف لغيره دليلاً!!
وتالله إن الأمر ليس في حاجةٍ إلى استدلالٍ له بالسبق إليه من عالم، بعد ذلك التوضيح التاريخي!
ثم ألا يكفي اعتراف أهل القرن الخامس أنّهم ليسوا سوى متّبعين لعلماء السنّة الأول، مترجمين لمعاني مصطلحاتهم في علمهم، ومقرّرين لقواعده عندهم!!
وقد سبق كلامُ البيهقي في ذلك، الذي يقول في آخره: ((حتى ترك أوائلُ هذه الأمّة أواخرها - بحمد الله - على الواضحة، فمن سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلهم، واقتدى بهم   صار على بيّنةٍ من دينه))[113].
ويصرّح الخطيب بذلك في مقدّمة كتابه (الكفاية)[114]، ويرثي علم الحديث في عصره في كتابه (الجامع)، ويقول خلال ذلك عن علماء الحديث:
وقد كنّا نعدهم قليلا                فقد صاروا أقل من القليل[115]
أمّا بعد القرن الخامس: فالأمر فيه واضحٌ، والاستدلال له أكثر من أن يستوعبه هذا المقال المختصر. لكني أكتفي بنقل كلامٍ لعالمين كبيرين، أحدهما من القرن السادس، والثاني من القرن الثامن.
أمّا الأول فهو ابن الجوزي (ت 597هـ)، حيث ذكر في كتابه (الموضوعات) تعليلاتٍ خفيّةً من كلام أبي عبدالله الحاكم، ثم قال: ((فإن قويَ نظرُك ورسخت في هذا العلم فَهِمْتَ مثل هذا، وإن ضَعُفْتَ، فَسَلْ عنه. وإن كان قد قَلَّ من يَفْهمُ هذا، بل عُدِم))[116].
وأمّا الثاني فهو الذهبي (ت 748هـ)، فقد قال وهو يؤرّخ للقرن الثالث الهجري ولمن فيه من علماء الحديث: ((وخلقٌ كثيرٌ لا يحضرني ذكرهم، ربما كان يجتمعُ في الرحلة منهم المئتان والثلاثمائة بالبلد الواحد، فأقلّهم معرفةً كأحفظ من في عصرنا))[117].
ويقول الذهبي أيضاً في موطن آخر: (( ثم تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثة، ولم يزل يتناقص إلى اليوم. فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدّثين على قِلّتهم نظيرُ صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم. وكم من رجل مشهورٍ بالفقه والرأي في الزمن القديم أفضل في الحديث من المتأخرين، وكم من رجل من متكلّمي القدماء أعرف بالأثر من سُنّيّة زماننا))[118].
ويقول في موطن ثالث: ((وليس في كبار محدّثي زماننا أحدٌ يبلغ رُتبة أولئك في المعرفة... (إلى أن قال في الردّ على من لمزَ متقدّمي المحدثين بنقص الفقه) : فاسكت بحلم أو انطق بعلم، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء. ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدّثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل...))[119].

وأقف هنا، ولولا ضيق الوقت لاتّسع المقال.

ولكن فيما تقدّم كفاية.



الخاتمــة:

إن من أعظم أسباب صعوبة علوم الحديث، ومن أشدّ أسباب غموض فنونه هو ذلك الاختلاف الكبير في مصطلحاته وفي بعض قواعده. ولذلك كان من المهمّ أن يَتقلّصَ هذا الاختلافُ قَدْر المستطاع؛ لأن الاختلاف في القاعدة يؤدّي إلى اختلاف في عددٍ كبير من المسائل الجزئيّة التي تنبني عليها؛ ولأن الاختلاف في تفسير المصطلحات سيُغيّرُ فَهْمَنا لكلام العلماء وأحكامهم، وبالتالي سيؤول إلى الاختلاف في التقعيد أيضاً.
وكان تقليصُ هذا الاختلاف سهلاً لو كان الاختلافُ غيرَ منهجي كُلَّه، أي لو كان الاختلاف نشأ مع اتّحادِ منهج البحث والدراسة، وأنه إنما نشأ بسبب عدم الاطلاع على بعض أدلّة البحث وعدم ملاحظة جميع معطياته. حيث إن الاجتهاد المتّفِقَ في المنهج المختلِفَ في النتائج، زوالُ الاختلاف فيه يكون باستكمال البحث في أدلّة المسألة المختلف فيها. أمّا الاختلاف المنهجي، فلا علاقة له بالاطلاع على الأدلّة أو عدم الاطلاع عليها، وإنما هو متعلّقٌ بأصول الدراسة ومَنْحَى التأمُّل والنظر.
والواقع: أن الاختلاف في علوم الحديث منه ما هو اختلافٌ جزئي، ومنه ما هو اختلافٌ منهجيّ. والذي يعنينا هو الاختلاف المنهجي؛ لأهميته، ولخطورته.
لقد جاءت هذه المقالة لبيان مسألةٍ مهمّة في سبيل تصحيح ذلك الخطأ المنهجي، وقبل بيان الأمر الذي عالجه هذا المقال، أودّ توضيح ذلك الخطأ المنهجي الذي نتحدّث عنه:
لقد تحدّثت عن طرف مهمّ من هذا الخطأ المنهجي في كتابي المنهج المقترح، وذلك بما أسميته بـ (فكرة تطوير المصطلحات)، وهي تقرير معانٍ لمصطلحات الحديث غيرِ معانيها عند أهل الاصطلاح، مع العلم بهذا التغاير، ثم التعامل مع كلام أهل الاصطلاح وفق هذا المعنى الجديد ومحاكمتهم إليه[120].

لقد أباح بعضُ أهل العلم لنفسه أن يقع في هذا الخطأ الكبير، الذي هو في واضحِ حقيقته مشاحّةٌ في الاصطلاح، لا وَجْه لها. وهو في خافي حقيقته منازعةٌ لأهل الاصطلاح ممن ليس من أهله فيما ينازعهم فيه. ذلك أن الذي يأتي إلى علم مكتملِ القواعد والأصول، مُقرَّرٍ بألفاظٍ وتعابير اصطلاحيّةٍ سابقةٍ له، كان ينبغي عليه أن يأخذ هذا العلمَ كما هو عن أهله، ولا داعي إلى تغيير مصطلحاته[121]؛ لأن ذلك لا فائدة فيه، ما دامت مصطلحاته القديمة قد قامت بخدمة ذلك العلم، وقد دُوّنت أصول العلم وأمهات كتبه عليها. بل ذلك التغيير سيؤدّي إلى تعسُّرِ ذلك العلم بتعدُّد معاني ألفاظه، وربّما أدّى إلى فَهْمِ كلام السابقين وَفْق اصطلاح اللاحقين (كما وقع بالفعل)، بل ربما أدّى ذلك إلى محاكمة السابقين وتخطيئهم وفق ذلك الاصطلاح الحادث (وهذا قد وقع أيضاً)، ثم يؤدّي ذلك إلى تقرير قواعد العلم بناءً على ذلك الفهم الخطأ لكلام الأئمة النقاد. وإذا افترضنا أن شيئاً من هذه المحاذير لم يقع، سوى أنّ أحدهم اقترح معاني جديدةً لمصطلحات قديمة، مبيّناً صراحةً أنّها اصطلاحاتٌ خاصّةٌ به، لا علاقةَ لها بغيره؛ فإنني أعود لأسأل: إذا أبحنا لأحدٍ فِعْلَ ذلك، فبأي حق أمنع غيره منه؟! وإذا لم أمنع غيره، فتعدّدت معاني المصطلحات الخاصّة في ذلك العلم بتعدُّد الكاتبين فيه، فلك أن تتصوّر التعسُّر بل التعذُّرَ في تعلُّم ذلك العلم الذي سيحدث جرّاءَ تلك المعاني المختلفةِ المتباينةِ في علمٍ واحد.
أعود لأقول: إن العلم المكتمل القواعد والأصول، المقرَّرَ بألفاظٍ وتعابير اصطلاحيّة: لا يحق لأحدٍ أن يحاول تأصيلَ غير ما اكتمل من قواعده، ولا أن يُقَرِّرَهُ بغير اصطلاحاته التي تقرَّرَ عليها من قَبْل؛ لأنّ في فعل شيءٍ من هاذين الأمرين إضاعةً لذلك العلم وتدميراً له!!!
إذن فالعلم الذي اكتملت قواعده وأصوله من قبل، ينبغي أن يكون سبيل تعلُّمِه بالرجوع إلى ما سُبقنا إليه من تقرير تلك القواعد والأصول؛ لأن في الخروج عنها خروجاً عن الكمال، والخروج عن الكمال نقص.
ثم إن العلم الذي قُرّرت قواعدُهُ المكتملةُ باصطلاحات معيّنة، ينبغي أن نحرص على فَهْمِ مصطلحاته (التي سُبقنا إلى تقرير قواعده بها) على ما كانت عليه، حتى يتسنّى لي فَهْمُ تلك القواعد وفهم ذلك العلم؛ وإلا فلن أفهم تلك القواعد فهماً صحيحاً إن فهمت كلام من أكملوا ذلك العلم بتلك الألفاظ والتعابير على غير مقاصدهم منها، وإن شرحت مصطلحاتهم بخلاف مرادهم منها.
وهذا التقرير يعني: أن هناك مَنْ ينبغي أن يُلْتَزَمَ بتأصيلهم لقواعد العلم، وينبغي أن لا نخرج عن مقاصدهم من مصطلحاتهم ليُفهم عنهم ذلك العلم. وهذا يعني أن هناك من يُحتكمُ إليهم في تصويب تنظير على تنظير ممن جاؤوا بعدهم، وأنّ هؤلاء المتأخّرين إذا خالف أحدُهم في معنى مصطلح من مصطلحاتهم قُضيَ عليه بالخطأ لمجرّد أنه خالفهم.
ومن هنا تتبيّن الأهميّة القصوى لمعرفة من هُمْ أولئك العلماء الذين هم الحَكَمُ في معرفة الصواب والخطأ؛ ولمَ كانوا هُمْ - دون مَنْ سواهم - أصحابَ هذه المنزلة؟.
لقد جاء هذا البحث جواباً عن هذا السؤال الجوهري، واستدلالاً لصحّة هذا الجواب.
وبعد هذا العرض أسأل، وأترك الجواب للمنصفين:

Tidak ada komentar:

Poskan Komentar