Senin, 28 November 2011

Ulumul Hadis-4




مشكل علم مصطلح الحديث

في العصر الحديث



د. أبشر عوض محمد إدريس
أستاذ الحديث المساعد في كلية أصول الدين
عميد كلية التنمية البشرية

جامعة أم درمان الإسلامية





المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد
فإني قد كنت عقدت العزم على كتابة مباحث في علم مصطلح الحديث وذلك بمناسبة انقضاء مائة عام على تأليف الإمام جمال الدين القاسمي لكتابه القيم: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، إذ ورد في خاتمته قوله (بحمد الله تم مقابلة على أصلي، وكتبه مؤلفه جمال الدين في 19 ذي الحجة 1324هـ).
وها نحن في العام 1424هـ من هجرة المصطفى.. فما عزمنا على كتابته من عند أنفسنا بحول الله وقوته - عضدته ندوة (علوم الحديث - واقع وآفاق) في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي، نسأل الله بدءً وختماً... أن ينفع بها وبالقائمين على أمرها، إنه ولي التوفيق... وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
لا شك عند كل دارس وباحث في أصول الرواية، ونقل الأخبار أن علماء الأمة الإسلامية وعلى وجه التحديد علماء الحديث الشريف قد أرسوا دعائم وقعّدوا قواعد في منهجية نقل ونقد الأخبار بما لم تسبقهم إليه أمة من الأمم، ونقلوا سنة الرسول (في كبير أمرها وصغيره، في شتى مناحي الحياة الإنسانية حتى إن بعض من كتب في المباحث التاريخية نصَّ على أن كل الديانات المعروفة للبشر أخضعت لمقاييس التاريخ ونقل الأخبار، فلم يجدوها - بسبب نقل الأتباع لأنبائها وأحداثها - حازت على شروط الرواية المرضية إلا الإسلام ولذا قالوا: لقد ظهر الإسلام في ضوء التاريخ الكامل. بل ذهب عالم نصراني متخصص في التاريخ - وهو أسد رستم - إلى أن ألف كتاباً في أصول الرواية التاريخية إعتمد فيه على قواعد مصطلح الحديث، واعترف بأنها أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات.
وقد قال في الباب السادس (العدالة والضبط) بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي والأمانة في خبره، (ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحروفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمي، واعترافاً بفضلهم على التاريخ، ثم آخذ في نقل نصوص عن الإمام مالك، والإمام مسلم صاحب الصحيح والغزالي والقاضي عياض وأبي عمرو بن الصلاح)[1].
ولكن هذه الجهود الضخمة الجبارة التي أذعنت لسطوتها أعناق وجباه العلماء ممن ذكرنا آنفاً لا تجد من يواكبها ويجاريها بذات النفس في عصرنا الحديث إلا القليل النادر.
فحق لنا أن ننشد:
ذهـب الذيـن يقـال عنــد فراقهم      ليــت البــلاد بأهلها تتصــدع
وقد شغلت بهذا الأمر حيناً من الدهر، وطرحناه مذاكرة مع أهل العلم ومناقشة مع طلابه وكما أسلفت كنا بصدد كتابة تعليقات في الذكرى المائة لكتاب الإمام القاسمي نتناول بعض ما نراه سبباً أو أسباباً لتراجع الدراسات الحديثية على كثرة الطارقين لبابها. ثم من بعد ذلك الحـلول، فنقـول والله المـوفق إن مـن أسبـاب ذلك في ما نراه الآتي:
الافتقار إلى حسن الترتيب والتقسيم:
هناك ناحيتان يتأثر بهما نسق التأليف وتتميز بهما منهجية الكتابة والتدوين في أي فن من الفنون وهما:
أ ـ المدة الزمنية بين نشوء قواعد العلم إلى حين نضجه واستوائه على سوقه، فإن أي علم يبدأ بقواعد صغيرة ومتباعدة ثم لا يزال العلماء يكتبون ويصححون وينقحون ويجمعون بين الأشباه والنظـائر حتى تتكامل قـواعد ذلك الفـن في حدود اجتهاد العقل الإنساني.
ب ـ وأما الناحية الثانية فهي المجتمع الفكري والعلمي الذي يستهدفه المصنف بتصنيفه، ومن ثم تتباين المصنفات إيجازاً وإسهاباً، تعقيداً وتبسيطاً.
وعلم مصطلح الحديث ليس بدعاً من العلوم... وبمراجعة كلام الحافظ في النخبة نجده يؤرخ للتصنيف في علم المصطلح فيقول: (فمن أول من صنّف في ذلك: القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه) المحدث الفاصل (لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبدالله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب وتلاه أبو نعيم الأصفهاني فعمل على كتابه مستخرجاً وأبقى أشياء على المتعقب ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي فصنّف في قوانين الرواية كتاباً سماه (الكفاية) وفي آدابها كتـاباً سماه (الجامع لآداب الراوي والسامع) وقلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنّف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: (كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه).
ثم جاء بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه (الإلماع) وأبو حفـص الميانجي جـزءً سماه (ما لا يسع المحدث جهله) وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها. إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمر عثمان بن الصلاح عبدالرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور فهذب فنونه وأملاه شيئاً بعد شئ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، ثم تكلم الحافظ عن كتابه هو قال: فلخصته في أوراق لطيفة سميتها (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته مع ما ضممت إليه من شوارد الفرائد وزوائد الفوائد، فرغب إلي ثانياً أن أضع عليها شرحاً يحل رموزها ويفتح كنوزها... الخ)[2].
بالنظر في هذا الموجز التاريخي لحركة التأليف في المصطلح كما ذكره الحافظ فقد تراوح وصف تلك المؤلفات وتقسيمها عند ابن حجر بالآتي:
1- عدم الاستيعاب مما ترك مجالاً للزيادة والتعقيب.
2- عدم التهذيب والترتيب.
3- البسط والإطالة.
وقد احتفى الحافظ بكتاب ابن الصلاح أيما احتفاء ولكنه أيضاً أخذ عليه إنه لم يحصل له الترتيب على الوضع المناسب وعلل ذلك بأن تصنيفه كان إملاء شيئاً بعد شيء... وعليه فقد كتب ابن حجر (النخبة) ليسدد بها ذاك الخلل الذي رآه.
مقارنة بين منهج المقدمة ونخبة الفكر:
حقاً لقد وضع الحافظ ابن حجر كتابه على ترتيب ابتكره كما وعد وبالمقارنة بين الكتاب وأصله نخلص للآتي:
أولاً: بادر الإمام ابن الصلاح في أول مقدمته إلى شرح أنواع الحديث مباشرة، الصحيح، الحسن، الضعيف وهكذا، غير أن الحافظ ابن حجر شرع في تبيان مصطلحات تتعلق بهذا الفن. فشرح أولا معنى الخبر الأثر.. ولكنه رحمه الله وهو يشرح هذه المصطلحات اعترضته مصطلحات أخرى اضطر إلى شرحها مما ادخله في جمل إعتراضية طويلة تشتت ذهن القارئ والدارس فمثلاً يقول (الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث... فهو باعتبار وصوله إلينا إما أن يكون له طرق أي أسانيده كثيرة لأن طرقاً جمع طريق وفعيل في الكثرة يجمع على فعل بضمتين وفي القلة على أفعل والمراد بالطرق الأسانيد والإسناد حكاية طريق المتن).
فانظر - رحمك الله - كيف يشرح الطريق بأنه الإسناد ثم وجد أن الإسناد نفسه يحتاج إلى شرح فشرحه أيضاً، وأيم الله إن شرحه أيضاً يحتاج إلى شرح لأن في أيامنا هذه هناك من لا يدري معنى (حكاية طريق المتن)[3].
ومثال آخر للجملة الاعتراضية الناتجة عن شرح المصطلحات فقد قال في ص77 متكلماً عن تعارض الأحاديث (وإن لم يمكن الجمع فلا يخلو إما أن يعرف التاريخ أو لا، فإن عرف وثبت المتأخر به أو بأصرح منه فهو الناسخ والآخر المنسوخ والنسخ رفع تعلق شرعي بدليل شرعي متأخر عنه والناسخ ما دل الرفع المذكور... ثم أخذ يتكلم عن النسخ... حتى قال ص 79 وإن لم يعرف التاريخ... فتلاحظ امتداد الجملة الاعتراضية من ص 77 إلى ص 79 مما دفع بمحقق الكتـاب الأستـاذ الدكتور/ نور الدين عتر للتنبيه عن ذلك في الحاشية ليلم للدارس والقارئ شتات أفكاره.
وهذا الذي ذكرناه عند الحافظ ابن حجر نجده في غالب كتب المصطلح التي صنّفها الأئمة رضوان الله عليهم ودونك مثال ثالث عند الإمام السيـوطي في كتابه (تدريب الراوي)، يقول ص117 متكلماً عن المعلقات في صحيح البخاري (فما كان منه بصيغة الجزم كقال وفعل وأمر وروى وذكر فلان فهو حكم بصحته عن المضاف إليه لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك... ثم أخذ يشرح ويحـلل ويفصّل حتى قال ص120) وما ليس فيه جزم كيروى ويذكر ويحكى... الخ (فالمسافة بين) ما كان فيه جزم (وما ليس يكن فيه جزم) أربع صفحات تقريباً!!!
ثانياً: تلاحظ أن الحافظ ابن حجر في كتابه النخبة أخر الكلام عن أحكام الجرح والتعديل وأحوال الرواة إلى خاتمة كتابه قال (ومن المهم أيضاً معرفة أحوالهم تعديلاً وتجريحاً وجهالة لأن الراوي إما أن تعرف... الخ) بينما وجدنا الإمام ابن الصلاح تكلم عن هذا الشأن في الثلث الأول من مقدمته ولعل صنيع الحافظ ابن حجر رحمه الله يشعر أن خلاصة علم المصطلح وزبدته، وثمرة شجرته المباركة هي الانتهاء إلى القول في تصحيح الأسانيد أو تضعيفها ولا يكون ذلك إلا بالإحاطة بعلم الجرح والتعديل فأخر الثمرة إلى أوان قطفها... وأما الإمام ابن الصلاح فقد مضى علينا أنه كتب كتابه إملاءً ولهذا لم يقع له على الترتيب المتناسب، ثم إن هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم قد صنّفوا لزمانهم وحسب طرائق تدريسهم فما نراه وعراً قد يكون عندهم سهلاً وما يحتاج إلى بسطه وتوضيحه تكفيهم فيه الكلمة والكلمتان.
منهج التأليف لعصرنا:
على كثرة المؤلفات في علم المصطلح قديماً وحديثاً وعلى جهود العلماء المباركة جميعاً لا أظن - والله أعلم - أن هناك من يشير إلى كتاب بعينه ويقول هذا الكتاب قد أوفى وأغنى.
نقول ذلك ونذكر بما نبهنا عليه أولاً من أن التأليف يخضع لزمان التصنيف ومجتمع المؤلف. ومن هنا ننظر في زماننا وفي همة الدارسين ومدى إلمامهم بالعلوم.. وما يحتاجونه. فعليه أقول - وبالله التوفيق - لا بد من تعاضد جماعة من علماء الحديث وتوافرهم على تصنيف للمصطلح جديد، تختزن فيه علوم السلف رضوان الله عليهم ثم تخرج في ثوب جديد بأسلوب عصري ومنهجية في التأليف متكاملة يمكن أن نجمعها في المحاور الآتية:


المحور الأول:

مسرد المصطلحات


إن المصطلح هو الوعاء التعبيري الذي تطرح من خلاله الفكرة ولتحديد المصطلح تحديداً دقيقاً أهمية كبري في الفهم وفي التطبيق ولذلك نجد أول آية في القرآن الكريم ورد فيها النداء بـ يا أيها الذين آمنوا إنما نادت بتحديد المصطلح وطرائق التعبير وهي قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم 104 البقرة.
ويمكن النظر في تفسير الإمام ابن كثير لتوضيح انتقاص اليهود من قدر رسول الله (باستخدامهم كلمة) راعنا (فمنـع المولى عـز وجـل مـن استعمال هـذا) المصطلح، المشتبه بآخر لا لـبس فـيه وهو (انظرنا) وفي السنـة مـن ذلك كثير مثـل (لقد صبأنا).
وحديث أنس (مطرنا سبتاً) لا نطيل بإيراده... كل الذي نقوله بأن تحديد المصطلح أمر غاية في الأهمية.
وبالرجوع إلى كتب مصطلح الحديث نجد كثيراً من مصطلحات هذا العلم المبارك منتشرة ومبثوثة في ثنايا الكتب والفصول والمباحث، يرد المصطلح أينما ورد... وقد تقدم شرحه أو تأخر، لا يلتفت إلى ذلك ولعل السبب - والله أعلم - أن هذه المصطلحات كانت واضحة عند الطلاب بالمشافهة والمذاكرة مع العلماء،وعندما أزف طور تدوين هذا العلم وكتابته لم يكن الإشكال الذي عندنا، عندهم ولا قصور الفهم عند دارسينا عند طلابهم.
ولتوضيح ذلك نأخذ كلمة توجد في أول كتب المصطلح على إطلاقها فهم يعرفون الحديث الصحيح بأنه هو (ما اتصل سنده بنقل العدل، الضابط ضبطاً تاماً عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة).
فلننظر إلى هذا التعريف بعقلية الطالب الدارس وليس بعقلية العالم المؤلف أي نتقمص شخصية الطالب، فماذا أري؟
أجد عبارة مبهمة لكي أدريها يتوقف ذلك على معرفة سابقة وأطرح الأسئلة الآتية:
1- ما معنى السند؟
2- وما معنى كونه متصلاً وكيف يكون؟
3- ومن هو العدل وما هي صفاته؟
4- ومن هو الضابط وكيف أعرفه؟
5- ما معنى منتهاه؟
6- ثم ما هو الشذوذ؟
7- وما هي العلة؟
وعلى ذلك قس كثيراً من مباحث علم المصطلح فهم مثلاً يتكلمون عن (الإجازة) وأضربها السبعة، أن يجيز معيناً لمعين، أن يجيز معيناً غير معين، وإجازة المجاز إلى آخره يشرحون ذلك شرحاً طويلاً دقيقاً، ولكن قبل ذلك كله.
الدارس يسأل سؤالاً حائراً: ما هي الإجازة نفسها؟ قبل أن نشرح أنواعها؟
إن الإمام جلال الدين السيوطي يتناول ما ذكرناه سابقاً من ص29 وحتى ص44 ثم يكتب لنا سطرين في آخر مقاله تحت عنوان فائدة: قال شيخنا الإمام الشمني: الإجازة في الاصطلاح، إذن في الرواية لفظاً أو خطاً، يفيد الإخبار الإجمالي عرفاً وأركانها أربعة:(المجيز، المجاز له، والمجاز به ولفظ الإجازة).
 نقول: بمنهاج المؤلفين في العصر الحديث أما كان الأولى أن يتقدم هذا التعريف قبل خمس عشرة صفحة؟
 تأسيساً على ذلك - وغيره كثير - نقول لابد من إثبات مسرد كامل للمصطلحات الواردة في هذا العلم كافة، قبل الدخول في شروح مباحثه.
* فمثلاً مصطلحات مثل الحديث، الأثر، الدراية، الرواية، السند المتن، الطبقة... الخ.
* اختصارات المحدثين لصيغ الأداء، مثل ثنا، أنا، نا، ينميه، يرفعه، علامات تحويل الإسناد... إلى غير ذلك من المصطلحات...وأذكر ينبغي أن ننظر بعين الدارس وليس العالم الذي يرى ما ذكرناه سابقاً من الواضحات التي لا تحتاج إلى توضيح.
* ثم لا بأس بأن نأتي بمسرد مصطلحات الفرق الإسلامية فإن هذا ملحظ مهم في رواية الحديث - وإن كان على دارس السنة وعلومها أن يلم بطرف من كتب العقائد - فإن أئمة هـذا الشـأن كثيـراً ما يصـفون راوياً من الرواة بـ: (رمي بالنصب، رمي بالارجاء، كان رافضياً، هو من المرجئة... الخ).
 المهم تذليل كل كلمة مشكلة على الدارس قبل البدء في سرد مسائل علم المصطلح

المحور الثاني:

مباحث علم المصطلح نفسه


أما إذا استطعنا تذليل صعوبات ووعورة المصطلحات...فنحتاج بعد إلى صياغة علمية متقنة وفي الوقت نفسه ميسرة لدارسي هذا العلم وأيضا نرى - والله اعلم - ان يقوم بذلك فريق من العلماء أهل الاختصاص يكمل بعضهم بعضاً ولننظر في كلام الشيخ رشيد رضا في تقديمه لكتاب (قواعد التحديث) للإمام القاسمي قال: (ليتني كنت أملك من وقتي الحاشك بالضروريات، الحاشد بالواجبات، فرصة واسعة أو نهزاً متفرقة في شهر أو شهرين أقرأ فيها هذا السفر النفيس كله، فأتذكر به من هذا العلم ما لَعَلي نسيت، وأتعلم مما جمعه المؤلف فيه ما جهلت، فهو الحقيق بأن يقرأ ماكتب، ويحصي ماجمع،لتحريه النفع، وحسن اختياره في الجمع، وسلامة ذوقه في التعبير والتقسيم والترتيب والوضع، وبلغ في مصنفه هذا سدرة المنتهي من هذا العلم الاصطلاحي المحض، الذي يوعي بكد الحافظة، ويستنبط بقوة الذاكرة، فلا يستلذه الفكر الغواص على حقائق المعقولات، ولا الخيال الجوال في موارد الشعريات، ولا الروح المرفرف في رياض الأدب أو المحلق في سماء الإلهيات - إذ جعله كأنه مجموعة علوم و فنون وأدب وتاريخ وتهذيب وتصوف، مصطفاة كلها من علم حديث المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله، ومن كتب طبقات العلماء المهتدين به، كأنه قرص من اقرص إبكار النحل، جنته من طرائف الأزهار العطرية، ومجت فيه عسلها المشتار من طوائف الثمار الشهية، فلعل الظمآن لهذا العلم لا يجد فيه كتاباً تطيب له مطالعته كله، فينهله ويعله ولا يمله، كأنه أقصوصة حب أو ديوان شعر اللهم إلا هذا الكتاب)[4].
ويقول أيضاً الشيخ رشيد رضا: كذلك وقد ألف الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله بعده كتاب (توجيه النظر إلى أصول أهل النظر) وهـو موضوع كتاب (قواعد التحديث) والعلامتان الجزائري والقاسمي كانا سِيَّيْنِ في سعة الاطلاع وحسن الاختيار، إلا أن الجزائري اكثر اطلاعاً على الكتب وولوعاً بالاستقصاء والبحث، والقاسمي اشد تحرياً للإصلاح وعناية بما ينفع جماهير الناس، فمن ثم كان كتاب الجزائري، وهو أطول قاصراً على المسائل الخاصة بمصطلح الحديث وكتب المحدثين التي قلما ينتفع بها إلا المشتغلون بهذا العلم،، فقد وفى بعض مسائلها حقه من الاستقصاء بما لم يفعله القاسمي، وكأنه أطال كل الإطالة بتلخيص (كتاب علوم الحديث) للحاكم النيسابوري وهي اثنان وخمسون نوعـاً، ثم بما لخصه من كتاب (علل الحديث) لابن أبى حاتم الرازي..، ثم بما استطرد من الكلام في مبحث كتابة الحديث إلى الكلام في (الخط العربي وتدرجه بالترقي إلى وصوله للكمال الذي عليه الآن، وما يحتاج إليه بعد هذا الكلام من علائم الوقف والابتداء) وهو على إطالته في هذا الفن، لم يراعه في هذا الفن وكتابه كأكثر الكتب القديمة، وكتاب القاسمي كما علمت في قسيمة وتفصيل عناوينه والبياض بينها لتسهل المطالعة والمراجعة، فهو في هذا وفي طبعه على أحسن ما انتهت إليه الكتب الحديثة،، كما أنه أكثر جمعاً وأعم نفعاً)[5].
من هذا الاستعراض لإفادة الشيخ رشيد رضا والموازنة بين كتابي القاسمي والجزائري. يمكن أن نخلص إلى مؤشرات طيبة في ما ينبغي أن نيسر به على طلاب الحديث بدءاً من المحتوى العلمي وانتهاء بطباعة الكتاب والعناية بإخراجه وهذا مالا يخفى إن شاء الله على السادة العلماء الذين توافدوا لخدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المحور الثالث:
مباحث علم الجرح والتعديل

وهذا المحور على خطورته، نجد فيه قصوراً كبيراً جداً عند الطلبة بل وأقول عند من يظن أنه بلغ في هذا العلم مبلغاً ورحم الله الإمام الذهبي فقد قال: والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة.
ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام عرف ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحه، ومقاصده بعباراته الكثيرة.
أما قول البخاري: سكتوا عنه فظاهرها أنهم ما تعرضوا له بجرح وتعديل، وعلمنا مقصده بالاستقراء أنها معنى تركوه.
وكذا عادته إذا قال (فيه نظر) بمعنى أنه متهم، أو (ليس بثقة) فهو عنده أسوء حالاً من الضعيف. وبالاستقراء إذا قال أبو حاتم (ليس بالقوي) يريد بها: أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي الثبت، والبخــاري يطلق على الشيخ (ليس بالقوي) ويريد أنه ضعيف.
ومن ثم قيل تجب حكاية الجرح والتعديل، فمنهم من نفسه حاد في الجرح ومنهم من هو معتدل ومنهم من هو متساهل.
فالحاد فيهم: يحيى بن سعيد، وابن معين، وأبو حاتم، وابن خراش وغيرهم.
والمعتدل فيهم: أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو زرعة.
والمتساهل: كالترمذي، والحاكم، والدارقطني في بعض الأوقات[6].
ثم إن العلم بالرجال وطبقاتهم ميزان علو كعب الرجل في مدارج علوم الحديث وبه ينال التوقير والتبجيل. لما دخل الإمـام الذهبي على الإمام ابن دقيق العيد قال له: (من أين جئت؟ قال: من الشام، قال: بم تعرف؟ قال: بالذهبي، قال: من أبو طاهر الذهبي؟ قال له: المخلِّص، فقال: أحسنت، فقال: من أبو محمد الهلالي؟ قال سفيان بن عينيه، قال: أحسنت، أقرأ ومكنه من القراءة حينئذٍ إذ رآه عارفاً بالأسماء) [7].
أقول أليس من الغريب أن نجد عندنا اليوم من طلبة الحديث من لا يستطيع التمييز بين الحمادين والسفيانين، ولا يدري كيف تكون المتابعة، وغير ذلك من أوليات دراسة الإسناد؟ بل وجدنا في رسائل الدراسات العليا (الماجستير أو الدكتوراه) من العجائب ما لا يصدق:
* فمثلاً في مسند الإمام أحمد وجدنا من لا يميز بين أحاديث المسند وزوائد عبدالله على أبيه.
* وأكبر من ذلك هناك من يسوق الإسناد، حدثنا عبدالله حدثني أبي... ثم يذهب يترجم لعبدالله ولأبيه ثم يذكر أقوال علماء الجرح والتعديل.
* واعجب من ذلك من يسوق أسانيد كتاب الزهد للإمام عبدالله بن المبارك، ثم يضعف الإسناد بأحد الرواة بعد عصر ابن المبارك بسنوات، وإسناد ابن المبارك كالشمس. إلى ذلك من الطامات التي لا تحصى.كيف كان ذلك؟ ولم هذا القصور الكبير...؟
يرجع ذلك بحسب رأينا - والله أعلم - إلى جملة أسباب لعل من أهمها الآتي:
1 ـ التقليد المطلق والتسليم التام لكتابات بعض المعاصرين من الباحثين والمصنفين في الحديث وعلومه والاكتفاء بما كتبوه وقرروه، وحتى إذا ما اضطروا بحسب المناهج البحثية العلمية الأكاديمية بالرجوع إلى المصادر الأصلية، رجعوا إليها وأعينهم مع كتابات المعاصرين ليصلوا إلى ذات النتائج وما عليهم إلا أن يغيروا أرقام الصفحات وطبعات الكتب وتواريخها، هذا المسلك حجب عنهم حظاً عظيماً من العلم والتعلم... فضلاً عن أغلاط وقع فيها بعض من قلدوهم ونهجوا نهجهم.
ولا نريد استقصاء هذا الأمر ولكن نكتفي ببعض أمثلة من ذلك:
أولاً: في مجال تخريج الأحاديث والحكم عليها، انتشـرت انتشاراً عظيماً كتب الشيخ / ناصر الدين الألباني رحمه الله، واحتفى بها بعض الناس احتفاءً عظيماً لدرجة المبالغة والغلو، حتى إن مشرفاً على مكتبة إسلامية عامة استبعد من صفوف الكتب التي تضمها هذه المكتبة سنن الإمام ابن ماجة. فسألته لم استبعدت هذا الكتاب وهو الأصل السادس كما تعلم؟ فكانت الإجابة مذهلة وقال: لله الحمد والمنة اقتنينا للمكتبة (صحيح ابن ماجة) للشيخ الألباني.. فلا حاجة لنا بالكتاب إذ ما بقي فيه إلا الضعيف.. والضعيف قال فيه العلماء.. ثم اخذ يشرح مذاهب العلماء في الأخذ بالضعيف أو طرحه ومن ثم أيضاً تدور الدوائر بذات المنطق على سنن أبي داود والترمذي والنسائي.
هذا دفعنا إلى أن ننبه هذا الرجل ومن تشرب مشربه إلى ما كتبه الإمام الحاكم في المدخل قال: (ولعل قائلاً يقول: وما الغرض في تخريج ما لا يصح سنده ولا يعدل رواته؟
والجواب عن ذلك من أوجه وهي:
1 ـ إن الجرح والتعديل مختلف فيهما، وربما عدل إمام وجرح غيره.
2 ـ وكذلك الإرسال مختلف فيه، فمن الأئمة من رأي الحجة به، ومنهم من أبطلها.
3 ـ والأصل فيه الإقتداء بالأئمة الماضين رضي الله عنهم أجمعين، كانوا يحدثون عن الثقات وغيرهم، فإذا سئلوا عنهم بينوا أحوالهم، وهذا مالك بن أنس إمام أهل الحجاز بلا مدافعة روى عن عبدالكريم أبي أمية البصري وغيره ممن تكلموا فيهم، ثم أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي وهو الإمام لأهل الحجاز بعد مالك، روي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحي الأسلمي، وأبي داود سليمان بن عمرو النخعي وغيرهما من المجروحين، وهذا أبو حنيفة إمام أهل الكوفة روى عن جابر بن يزيد الجعفي وأبي العطوف الجراح بن المنهال الجزري وغيرهما من المجروحين. ثم بعده أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وأبو عبدالله محمد بن الحسن الشيباني حَدَّثَا جميعاً عن الحسن بن عمارة وعبدالله بن مُحَرَّر وغيرهما من المجروحين.
وكذلك من بعدهما من أئمة المسلمين قرناً بعد قرن أو عصراً بعد عصر إلى عصرنا هذا، لم يخل حديث إمام من أئمة الفريقين من مطعون فيه من المحدثين.
وللأئمة رضي الله عنهم في ذلك غرض ظاهر:
وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه، والمنفرد به عدل أو مجروح؟ سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول، سمعت العباس بن محمد الدوري يقول، سمعت يحي بن معين يقول: (لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه).
أخبرنا دعلج بن أحمد ببغداد، حدثنا أحمد بن على الأبار قال: قال يحي بن معين: (كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزاً نضيجاً)[8].
إذاً هذه التجزئة للكتب الأصول بهذه الصورة أوقعت لبساً عظيماً عند من قصر به العلم والبحث واكتفي بالتقليد. فإذا كان الأئمة رضوان الله عليهم لم يوافقوا الإمام ابن الصلاح في قوله بتعذر التصحيح فكيف نقلد المعاصرين؟
قال الشيخ شاكر رحمه الله في الباعث (ذهب ابن الصلاح إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بادراك الصحيح بمجرد اعتبار الإسناد ومنع - بناءً على هذا - من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصاً على صحته في شئ من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، وبنى على قوله هذا: إن ما صححه الحاكم من الأحاديث ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، وقد ردّ العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب.
قال الشيخ شاكر: (والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناءً على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات، فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل، لا برهان عليه من كتاب ولا سنة، ولا نجد له شبه دليل)[9].
وقد ذكر الإمام الكتاني في رسالته بعد سرده للكتب من بعد الصحيحين وما فيها من أنواع الحديث قوة وضعفاً قال: (وحينئذٍ لابد من النظر في أحاديث كل ليحكم على كل واحد منها بما يليق)[10].
بل ليت الأمر وقف عند حدود طلبة العلم المبتدئين فقد تعداه إلى من ينتسب إلى العلم في أعلي مدارجه، فقد كنت أرسلت كتاباً إلى مؤسسة علمية أكاديمية رفيعة في بلد عربي، فرأت الجهات المسئولة أن تعرض كتابنا هذا على محكمين لإبداء الرأي فيه... فمما قرأته بخط للمحكم اعتراضه على حديث أوردناه وهو حديث أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: (يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل تـرد من قدر الله شـيئاً؟ قـال: هي مـن قـدر الله) قال المحـكم: (أورد - أي المؤلف - حديثاً ضعيفاً ولم يشر إلى ضعفه والحديث كما قرر العلامة الألباني ضعيف، وذلك في كتابه ضعيف الترمذي).
ولم ندر ممن نعجب من عالم محكم في بحوث علمية، يرجع في أحكامه إلى التقليد أو نعجب من أن هذا الحديث نفسه الذي ضعّفه الألباني حسنّه الألباني في مكان آخر من كتبه وذلك في تخريجه لأحاديث كتاب (مشكلة الفقر) ص13 برقم ،11 إذ قال عنه: (حسن).
أقول: فإذا كان هذا حال العلماء المحكمين، فما بال صنيع الطلبة الدارسين.
2 ـ الاعتماد على المختصرات: وأما في تراجم الرواة والحكم على الأسانيد... فقد ذهبت طائفة عظيمة في أزماننا هذه على اعتماد قول الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب بصورة تكاد تكون نهائية، وإن كنا نوافق الدكتور الطحان في قوله عن التقريب (والكتاب جيد ومفيد، كاف لطلبة العلم المبتدئين في الفن، لاسيما في موضوع الحكم على الشخص من حيث الجرح والتعديل، فانه يعطي المراجع عصارة الأقوال فيه لكنه مضغوط جداً)[11].
ونعقب على ذلك فنقول:
1 ـ إن الحافظ ابن حجر على جلالة قدره في هذا الفن، إلا أن هناك بعض هنات وهفوات وقعت في التقريب، كأن يتضارب حكم الحافظ على رجل في موضعين في كتابه، أو يوثقه حينـاً ويجهله حينـاً آخــر، وقد تتبع بعض هذه الهفـوات الأستاذ / محمد عوامة فليراجع[12].
ولا حرج في هذا التتبع ممن تمكن ودقق في علم الرجال، فهذا أبو حاتم جهل جماعة من الرواة ولم يسلم له العلماء بذاك، قال الإمام السيوطي في التدريب (جهل جماعة من الحفاظ قوماً من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين: من ذلك أحمد بن عاصم البلخي جهله أبو حاتم لأنه لم يخبر بحاله ووثقه ابن حبان وقد روى عنه غيره، وأسباط أبو اليسع جهله أبو حاتم ووثقه ابن المدينى، وابن حبان، وابن عدي وروى عنه البخاري وأبوزرعة والحسين بن الحسن بن يسار جهله أبو حاتم ووثقه الذهلي وروى عنه أربعة ثقات، وعباس بن حسين القنطري جهله أبو حاتم ووثقه أحمد وابنه وروى عنه البخاري) [13].
ولذلك قال العلامة اللكنوي: لا تغتر بقول أبي حاتم في كثير من الرواة على مايجده من يطالع (الميزان) وغيره أنه مجهول مالم يوافقه غيره من النقاد العدول، فإنَّ الأمان من جرحه بهذا مرتفع عندهم، فكثيراً ماردوا عليه بأنه جهل من هو معروف عندهم، فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري: الحاكم بن عبدالله البصري قال ابن أبى حاتم عن أبيه: مجهول، قلت: ليس بمجهول من روي عنه أربعة ثقات ووثقه الذهلي.
وقال أيضا: عباس القنطري قال ابن أبى حاتم عن أبيه مجهول. قلت: إن أراد العين فقد روى عنه البخاري، وموسى بن هلال، والحسن ابن علي المعمري، وإن أراد الحال فقد وثقه عبدالله بن أحمد قال: سألت أبى، فذكره بخير، وقال ابن دقيق العيد: لا يكون تجهيل أبى حاتم حجة، ما لم يوافقه غيره.
2 ـ ومما يؤخذ على من عكف على التقريب فحسب، ولم يراجع المطولات من كتب الجرح والتعديل، إن ملكة النقد عنده تكون ضعيفة وليست بذات بال، ويتبين ذلك جلياً عندما يكون الرجل المترجم له ليس من رواة الكتب الستة، عندها يحار الباحث في الحكم تجريحاً أو تعديلاً.
 أما عن تنزيل أحكام الجـرح والتعـديل بما في التقـريب، كما قسمها الشيخ العلامة /أحمد محمد شاكر في كتابه الباعث الحثيث، حتى أصبحت هذه العبارات والتقسيمات عبارة عن قوالب جاهزة، توضع دون النظر واعمال الفكر فيها، أقول هذا التنزيل وهذه الأحكام يفيد فيها إن شاء الله ما كتبه الدكتور /وليد العاني في كتابه منهج دراسة الأسانيد)[14].
وبعد هذا كله نقول إن علوم الحديث والسنة المشرفة لا تنفصل بحال عن باقي علوم الإسلام من تفسير وفقه وعقائد وعلوم اللغة العربية، إذ بهذه العلوم تتقوى ملكة الطالب ويتدرب على فنون العلم.
قال الذهبي: أول ما ينبغي تقديمه مقدمة في الاعتقاد تشتمل على الدليل على معرفة الله سبحانه وتعالى ويذكر فيها ما لابد منه، ثم يعرف الواجبات، ثم حفظ القرآن الكريم، ثم سماع الحديث.
ولابد من حفظ مقدمة في النحو يقوم بها اللسان والفقه عمدة العلوم، وجمع العلوم ممدوح إلا أن أقواماً أذهبوا الأعمار في حفظ النحو واللغة، وأغابوا فيها غريب القرآن والحديث، وما يفضل عن ذلك ليس بمذموم، غير أن غيره أهم منه، فإن أقواماً أذهبوا أزمانهم في علوم القرآن فاشتغلوا بما غيره أصلح منه من الشواذ المهجورة، والعمر أنفس من تضييعه في هذا، وإن أقواماً أذهبوا أعمارهم في حفظ طرق الحديث ولعمري أن ذلك حسن إلا أن تقديم غير ذلك أهم، فنرى أكثر هؤلاء المذكورين لا يعرفون الفقه الذي هو ألزم من ذلك، ومتى أمعن طالب الحديث في السماع والكتابة ذهب زمان الحفظ، وإذا علت السن لم يقدر على الحفظ المهم، وإذا أردت أن تعرف شرف الفقه فانظر إلى مرتبة الأصمعي في اللغة، وسيبويه في النحو، وابن معين في معرفة الرجال، كم بين ذلك ومرتبة أحمد والشافعي في الفقه، ثم لو حضر شيخ مسن له إسناد لا يعرف شيئاً من الفقه بين يديه شاب متفقه فجاءت مسألة: سكت الشيخ وتكلم الشاب)[15].
ومن ذلك كله نقول إن تجزئة علوم الحديث عن بعضها، كالاهتمام بالجرح والتعديل دون الغريب، أو الاهتمام بتعريفات أنواع الحديث، دون الاجتهاد في تطبيق ذلك والتدريب عليه من متون الحديث، كما إن تجزئة علوم الحديث عن باقي علوم الشرع فقهاً وتفسيراً وأصولاً وغيرها. تساهم في تكريس الضعف عند طلبة هذا العلم الشريف.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم...




(1) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ـ الدكتور / مصطفى السباعي ـ المكتب الإسلامي - دمشق ـ طبعة ثانية 1398هـ - 1978م.
(1) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ـ الإمام الحافظ بن حجر العسقلاني ـ تحقيق وتعليق الدكتور / نور الدين عتر ـ مطبعة الصباح - دمشق ـ طبعة ثالثة 1421هـ - 2000م.
(2) المصدر نفسه ص 38.

(1) قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث (المقدمة) ـ محمد جمال الدين القاسمي  ـ دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان ـ الطبعة الأولى 1399هـ - 1979م.
(1) المرجع نفسه ص 18 (المقدمة).

(1) الموقظة في علم مصطلح الحديث ـ للإمام شمس الدين الذهبي ـ تحقيق الشيخ / عبدالفتاح أبو غدة ـ  دار البشائر الإسلامية - بيروت ـ طبعة أولى 1405هـ.
(2 )طبقات الشافعية الكبرى ـ للإمام تاج الدين السبكي ـ دار إحياء الكتاب العربي - القاهرة.

(1) المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل ـ الإمام أبي عبدالله الحاكم ـ تحقيق / معتز عبداللطيف الخطيب ـ دار الفيحاء - دمشق ـ طبعة أولى 1422هـ - 2001م.
(2) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ـ للشيخ / أحمد محمد شاكر ـ دار الكتب - بيروت ـ 1415هـ - 1994م.

(1) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة ـ للإمام / الشريف محمد بن جعفر الكتاني ـ مطبعة دار الفكر - دمشق ـ طبعة ثالثة 1383هـ - 1964م.
(2) أصول التخريج ودراسة الأسانيد ـ الدكتور / محمود الطحان ـ دار الكتب السلفية - بدون تاريخ.
(3) تقريب التهذيب ـ للإمام / ابن حجر ـ تقديم ودراسة الأستاذ / محمد عوامة ـ دار الرشيد - سوريا ـ طبعة رابعة - 1412هـ - 1992م .
(1) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ـ للإمام / جلال الدين السيوطي ـ تحقيق / عبدالوهاب عبداللطيف ـ دار الفكر - بدون تاريخ.
(2) منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها  ـ د. وليد بن حسن العاني ـ دار النفائس - الأردن ـ طبعة أولى 1418 - 1997.
(1) الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ ـ للإمام / شمس الدين الذهبي ـ دار الكتب العلمية - بيروت ـ طبعة أولى - 1405هـ - 1985م.

Tidak ada komentar:

Poskan Komentar