Selasa, 29 November 2011

13. Syarah Hadis Talbiyah


 

 

شرح حديث لبيك اللهم لبيك

للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله

تحقيق الدكتور وليد فريان
 ط1 ، دار عالم الفوائد ، مكة المكرمة ، 1417هـ.


بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ولا حول ولا قوة الا به
خرج الإمام أحمد والحاكم من حديث زيد بن ثابت : أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه دعاء وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم قال : قل حين تصبح : لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وبك وإليك اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء قدير اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعن فعلى من لعنت أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ، اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة أعوذ بك اللهم أن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو أكتسب خطيئة محبطة أو ذنبا لا تغفره.
اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك وكفى بك شهيدا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق والجنة حق والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنبي كله إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
قوله  صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك.
معناه إجابة لدعائك مرة بعد مرة وليس المراد به حقيقة التثنية بل المراد التكرير والتكثير والتوكيد كقوله : ثم ارجع البصر كرتين. يعني مرة مره بعد مرة ، وأصل كرم الله وجهه من لب بالمكان إذا لزمه وأقام فيه فكأن الملبي يجيب دعوة الله ويلزم ذلك ويقتضي أيضا سرعة الإجابة مع الدوام عليها.
وقوله : وسعديك.
يعني إسعادا بعد إسعاد والمعنى طاعة بعد طاعة وأصله أن المنادي إذا دعا غيره فإن المجيب لدعائه يجيبه إسعادا له ومساعدة ثم نقل ذلك إلى مطلق الطاعة حتى استعمل في إجابة دعاء الله عز وجل وحكي عن العرب سبحانه وسعدانه على معنى أسبحه وأطيعه تسمية الإسعاد لسعدان كما سمي التسبيح لسبحان ولم يسمع سعديك مفردا ، ولا شك أن الله تعالى يدعو عباده إلى طاعته وإلى ما فيه رضاه عنهم وما يوجب لهم به سعادة الآخرة فمن أجاب دعاه واستجاب له فقد أفلح وأنجح قال الله تعالى : والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وقال تعالى : قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى.
وقال حكاية عن الجن : الذين استمعوا القرآن يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم.
ولهذا يقول الملبي في الحج لبيك اللهم لبيك يعني إجابة لدعائك وطاعة لك حيث دعوتنا إلى حج بيتك.
وكان النبي  صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة وقد قيل إنه كان يقوله في قيام الليل وروي أنه كان يقوله في استفتاح المكتوبة : لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك.
خرجه مسلم  من حديث علي.
ويروى من حديث حذيفة مرفوعا وموقوفا وهو أصح :
يدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : لبيك وسعديك والخير بيديك تباركت وتعاليت لبيك وحنانيك والمهتدي من هديت عبدك بين يديك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك تباركت رب البيت.
فإذا كان العبد في صبح كل يوم يقول لبيك اللهم لبيك وسعديك فإنه يريد بذلك أني أصبحت مجيبا لدعوتك مسرعا إليها مقيما على طاعتك ممتثلا لأوامرك مجتنبا لنواهيك فإذا قال هذا بلسانه فالواجب أن يتبع ذلك بعمله ليكون مستجيبا لدعوة الله قولا وفعلا ، وإن قال ذلك ثم خالفه بعمله فقد كذب قوله عمله وهو جدير أن يجاب كما يجاب من حج بمال حرام وقال : لبيك اللهم لبيك ؛ فيقال : لا لبيك ولا سعديك.
وفي بعض الآثار : أن الله عز وجل ينادي كل يوم : ابن آدم ما أنصفتني أذكرك وتنساني وأدعوك إلي وتذهب إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا ابن آدم ما اعتذارك غدا إذا جئتني.
كم دعاك إلى بابه فما أجبت ولا لبيت كم استدعاك إلى جنابه فقعدت وأبيت كم عرضت عليك واجباته فتكاسلت وتوانيت وزجرت عن منهياته فما انزجرت وتماديت كم سمعت دعاء داعي الحق فتصاممت وكم رأيت آياته في الخلوة فتعاميت ، فيا من جسده حي وقلبه ميت يا ليتك أجبت منادي الهدى حين ناداك ياليت
يانفس ويحك قد أتاك هداك     أجيبي فداعي الحق قد ناداك
كم قد دعيت إلى الرشاد فتعرضي    وأجبت داعي الغي حين دعاك
طوبى لمن أجاب داعي الهداة إذا دعاه ياقومنا أجيبوا داعي الله.
وقوله  صلى الله عليه وسلم : والخير في يديك.
إشارة إلى أن الله تعالى إنما يدعو عباده إلى ما هو خير لهم مما يصلح دينهم ودنياهم وآخرتهم فإنه يدعو إلى دار السلام ويدعوهم ليغفر لهم ذنوبهم فإذا سارع العبد إلى إجابة دعوة ربه بتلبيته والإستجابة له قال مع ذلك والخير في يديك إشارة إلى أني أستجيب دعوتك طمعا في نيل الخير الذي كله بيديك وأنت لا تدعو العبد إلا إلى ما هو خير له في دنياه وآخرته.
يا هذا لو دعاك مخلوق ترجو خيره لأسرعت إجابته مع أنه لا يملك لك ولا لنفسه ضرا ولا نفعا فكيف لا تسارع إجابة من الخير كله في يديه ولا يدعوك إلا لخير يوصله إليك.
وقوله  صلى الله عليه وسلم : ومنك وبك وإليك.
يحتمل أن مراده الخير منك كله وبك وإليك يعني أن مبدأ الخير منك كما قال تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله.
وقال : وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه.
فالله تعالى هو المبتدىء بالخير فمنه بدأ ونشأ والخير به يعني أن دوامه واستمراره وثبوته بالله ولو شاء الله لنزعه وسلبه صاحبه وقد قال تعالى لنبيه  صلى الله عليه وسلم : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا.
يعني أن دوام هذه النعمة عليك من الله كما أن ابتداءها منه.
والخير إليه أنه يرجع بصاحبه إلى الله في الآخرة إلى جواره وقربه في جنات النعيم فينتهي الخير بصاحبه إلى الله عز وجل.
ويحتمل أن المراد بقوله ومنك وبك وإليك أن العبد نفسه من الله وبالله وإلى الله كما في الإستفتاح أنا بك وإليك ولعل هذا أظهر فيكون معنى الكلام أن العبد وجوده من الله فإنه كان عدما فأوجده ربه وخلقه وهو في حال وجوده في الدنيا بالله أي أن ثباته وقيامه بالله فلولا أن الله يقيم الوجود وما فيه من أنواع الخلق لهلك ذلك كله وتلف ومن أسمائه الحي القيوم وقال إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا وفي الأثر المعروف في قصة القارورتين يا موسى لو نمت لسقطت السماء على الأرض.
وبعد إنتقال العباد من هذه الدار فإن مرجعهم إلى الله كما قال تعالى : إليه مرجعكم جميعا.
وقال : ثم إليه ترجعون.
في آيات كثيرة ، وفي هذا المعنى قال بعض العارفين : حقيقة التوحيد أن يكون العبد قانتا لله عز وجل يرى الأشياء كلها منه وبه وإليه.
كما قال عامر بن عبد قيس : ما نظرت إلى شيء إلا ورأيته يدل على الله.
قوله  صلى الله عليه وسلم : اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلابك إنك على كل شيء قدير.
ذكر الخطابي في كتاب الدعاء له : أن قوله فمشيئتك روي بضم التاء وفتحها وأن من رواه بالضم فإن المعنى الإعتذار بسابق الأقدار العائقة عن الوفاء بما ألزم العبد نفسه من النذور والأيمان ، قال : وفي هذا طرف من الجبر ، قال : والصواب رواية من رواه بفتح التاء على إضمار فعل كأنه قال : فإني أقدم مشيئتك في ذلك وأنوي الإستثناء طرحا للحنث عني عند وقوع الحلف ، قال : وفيه حجة لمن ذهب مذهب المكيين في جواز الإستثناء منفصلا عن اليمين.
قلت : الصواب هذا المعنى على كلا الروايتين أعني رواية الضم ورواية الفتح ، وليس المراد برواية الضم الإعتذار بالقدر وإنما المعنى فمشيئتك بين يدي ذلك كله مقدمة فهو مبتدأ حذف خبره ، ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه أبو داود في سننه بإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول : من قال حين يصبح : اللهم ما حلفت من حلف أو قلت من قول أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن اللهم اغفر لي وتجاوز عني اللهم فمن صليت عليه فعليه صلاتي ومن لعنت فعليه لعنتي ؛ كان في استثناء يومه ذلك.
فقد صرح أبو داود بأن المراد بهذا الاستثناء بالمشيئة أنه يكون استثناء في يومه ذلك يعني فيما يحلف وينذره ويقوله في ذلك اليوم ، وهذا صريح في أنه يكون استثناء في ما يستقبله من الكلام في يومه ذلك.
وأما قول الخطابي : أنه يمنع الحنث كقول من يقول ذلك في الاستثناء المنفصل بعد الكلام كما حكاه عن المكيين فأصل ذلك أنه قد روي عن المكيين كعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه ينفع الاستثناء بعد مدة من اليمين ، وروي ذلك عن ابن عباس من وجوه وقد طعن فيها كلها غير واحد منهم القاضي إسماعيل المالكي والحافظ أبو موسى المديني وله في ذلك مصنف مفرد.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : واذكر ربك إذا نسيت. قال : هي خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره. خرجه الطبراني من وجه ضعيف. وروي ذلك عن ابن جريج أيضا.
وقالت طائفة : إنما أراد هؤلاء أن هذا الاستثناء المنفصل يحصل به إمتثال قوله عز وجل : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت.
وسبب نزولها أن قوما سألوا النبي  صلى الله عليه وسلم عن قصة قال : غدا أخبركم ، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه مدة ثم نزلت هذه الآية.
وفي الحديث الصحيح : أن سليمان عليه السلام قال : لأطوفن الليلة على مائة امرأة الحديث.
وفي الحديث : أن بني إسرائيل لو لم يقولوا إن شاء الله ما اهتدوا أبدا. يعني إلى البقرة التي أمروا بذبحها.
وفي الحديث الذي في المسند والسنن : أن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم السد حتى يكادوا يروا منه شعاع الشمس ثم ينصرفون ويقولون : غدا نفتحه ، فإذا رجعوا من الغد وجدوه كما كان أولا حتى يأذن الله في فتحه فيقولون : غدا نفتحه إن شاء الله ، فيرجعون فيجدونه كما تركوه فيفتحونه.
قال إبراهيم بن أدهم : قال بعضهم : ما سأل السائلون مسألة هي أنجح من أن يقول العبد ما شاء الله ، قال : يعني بذلك التفويض إلى الله.
وكان مالك بن أنس كثيرا يقول : ما شاء الله ، ما شاء الله ، فعاتبه رجل على ذلك فرأى في منامه قائلا يقول : أنت المعاتب لمالك على قوله ما شاء الله ، لو شاء مالك أن يثقب الخردل بقوله ما شاء الله فعل.
قال حماد بن زيد : جعل رجل لرجل جعلا على أن يعبر نهرا فعبر حتى إذا قرب من الشط قال : عبرت والله ، فقال له الرجل : قل إن شاء الله ، فقال : شاء الله أو لم يشأ ، قال : فأخذته الأرض.
فلا ينبغي لأحد أن يخبر بفعل يفعله في المستقبل إلا أن يلحقه بمشيئة الله فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والعبد لا يشاء إلا أن يشاء الله له فإذا نسي هذه المشيئة ثم تذكرها فقالها عند ذكرها ولو بعد مدة فقد امتثل ما أمر به وزال عنه الإثم وإن كان لا يرفع ذلك عنه الكفارة ولا الحنث في يمينه ولهذا في كلام أبي الدرداء اللهم اغفر لي وتجاوز عني فلم يسأل إلا رفع الإثم دون رفع الكفارة.
روي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : واذكر ربك إذا نسيت. قال : يقول : إذا حلفت فنسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ولو بعد خمسة أشهر أو ستة أشهر فإنه يجزيك ما لم تحنث. خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره. وعلى هذا حمل قول ابن عباس وأصحابه طائفة من العلماء منهم أبو مسعود الأصبهاني الحافظ وابن جرير الطبري ، وكذا يقال في هذا الحديث من تقدم الاستثناء فإن تقديمه أبعد من تأخيره عن اليمين فإن اليمين لم توجد بالكلية وفي تأخيره وجدت ، وقد قال مالك في الاستثناء في اليمين إن ذكر المشيئة يريد بها الاستثناء نفعه ذلك في منع الحنث وإن كان إنما أراد امتثال قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله. ثم حنث فإني أرى الكفارة. نقله ابن المنذر وغيره ، وكذلك حكاه أبو عبيد عن بعض العلماء ، وتردد بعض العلماء في وجوب الكفارة في هذا القسم لتردد نظره بين اللفظ والمعنى فلفظه معلق بالمشيئة ومعناه الجزم بالفعل غير معلق وإنما ذكر الاستثناء تحقيقا وتأكيدا للفعل.
وفي الجملة فينبغي حمل حديث زيد بن ثابت هذا على هذا المعنى وأن تقدم المشيئة على كل قول يقوله وحلف يحلفه ونذر ينذره ليخرج بذلك من عهدة استقلال العبد بفعله وليحقق العبد أنه لا يكون مما يعزم عليه العبد ويقوله من حلف ونذر وغيرهما إلا ما شاء الله وأراده ولهذه قال بعده : ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلابك إنك على كل شيء قدير. فتبرأ من حوله وقوته ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته وأقر لربه بقدرته على كل شيء وأن العبد عاجز عن كل شيء إلا ما أقدره عليه ربه      ففي هذا الكلام إفراد الرب تعالى بالحول والقوة والقدرة والمشيئة وأن العبد غير قادر من ذلك كله إلاعلى ما يقدره مولاه وهذا نهاية توحيد الربوبية.
وللشافعي من أبيات
ما شئت كان وإن لم أشأ    وما شئت إن لم تشأ لم يكن
وقد حمل طائفة منهم الإمام أحمد كلام ابن عباس في تأويل الآية على وجه آخر وهو أن الرجل إذا قال : لا أفعل كذا وكذا ، ثم أراد فعله فإنه يستثني ويقول : إن شاء الله ، ثم يفعله ويتخلص بذلك من الكذب إذا لم يكن حلف على يمين ، وكان يحيى بن سعيد القطان إذا قال : لا أفعل كذا لا يفعله أبدا ، فإذا قيل له : لم تحلف ، يقول : هذا أشد - يعني الكذب - لو كنت حلفت كان أهون كنت أكفر يميني وأفعله.
وسئل الإمام أحمد عمن يقول : لا آكل ثم يأكل ، قال : هو كذب لا ينبغي أن يفعل ذلك.
ونقل الوليد بن مسلم في كتاب الأيمان والنذور عن الأوزاعي في رجل كلم في شيء فيقول : نعم إن شاء الله ، ومن نيته أن لا يفعل ، قال : هذا الكذب والخلف ، قال إنما يجوز المستثنى في اليمين ، قيل له : فإنه قال : نعم إن شاء الله ومن نيته أن يفعل ثم بدا له أن لا يفعل قال له ثنياه. وهذا يدل على أن الاستثناء بالمشيئة في غير اليمين إنما ينفع لمن لم يكن مصمما على مخالفة ما قاله من أول كلامه.
قوله  صلى الله عليه وسلم : اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعن فعلى من لعنت.
قال الخطابي : الوجه أن ترفع التاء من صليت ولعنت في الأولى وأن تنصبها منهما في الأخرى. والمعنى كأنه يقول : اللهم اصرف صلاتي ودعائي إلى من اختصصته بصلاتك ورحمتك واجعل لعنتي على من استحق اللعن عندك واستوجب الطرد والإبعاد في في حكمك ولا تؤاخذني بالخطأ مني في وضعها غير موضعها وإحلالها في غير محلها.
قال : وإنما يصح على هذا التأويل إذا كان قد سبقت منه صلاة أو لعن لغير المستحقين ، قال : وقد يحتمل أن يكون إنما دعا بالتوفيق واشترط في مسألته العصمة لئلا يجري على لسانه ثناء إلا لمن يستحق الثناء من أوليائه ولا ذم إلا لمن يستحقه من أعدائه كأنه يقول : اللهم احفظني حتى لا أوالي إلا أولياءك ولا أعادي إلا أعداءك ، قال : والوجه الأول إنما ينصرف إلى الماضي والوجه الآخر في المستقبل والله أعلم. انتهى.
قلت : التفسير الأول أصح ويشهد له قول أبي الدرداء : اللهم فمن صليت عليه فعليه صلاتي ومن لعنت فعليه لعنتي.
وقول الخطابي : إن هذا الوجه إنما ينصرف إلى الماضي ضعيف بل الصواب أنه ينصرف إلى المستقبل وأن المراد ما لعنت في هذا اليوم من لعن وما صليت فيه من صلاة يعني ما ألعن وما أصلي ، وهذا مما تقدم في قوله : ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه.
وقد وافق الخطابي كما تقدم عنه أن المراد به ما يقوله ويحلفه وينذره في المستقبل فكذلك الصلاة واللعن.
واعلم أن العبد مبتلى بلسانه يلعن به من يغضب عليه ويمدح به من يرضى عنه وكثيرا ما يمدح من لا يستحق المدح ويلعن من لا يستحق اللعن ، وقد ورد في غير حديث أن اللعنة إذا لم يكن الملعون بها أهلا لها رجعت على اللاعن ، واللعن دعاء فربما أجيب وأصاب ذلك الملعون وقد أمر النبي  صلى الله عليه وسلم المرأة التي لعنت بعيرها أن ترسله وقال : لا تصحبنا ناقة ملعونة.
وكان بعض السلف لا يدخل بيته بشيء ملعون ولا يأكل من بيض دجاجة يلعنها ولا يشرب من لبن شاة لعنها.
قال بعضهم : ما أكلت شيئا ملعونا قط.
وذكر ابن حامد من أصحابنا عن أحمد قال : من لعن عبده فعليه أن يعتقه أو شيئا من ماله أن عليه أن يتصدق. قال : ويجيء في لعن زوجته أنه يلزمه أن يطلقها ويشهد لهذا في الزوجة وقوع الفرقة بين المتلاعنين لما كان أحدهما كاذبا في نفس الأمر قد حقت عليه اللعنة والغضب.
فإذا قدم العبد من أول نهاره في دعائه أن ما لعن من لعن فإنه لاحق بمن لعنه الله وما أثنى من ثناء فهو لاحق بمن أثنى الله عليه فقد خلص بذلك من إثم لعن من لا يستحق اللعن أو من لايستحق المدح إذا وقع ذلك سهوا أو غلطا أو عن قوة غضب ونحوه ، فأما من يتعمد ذلك مع علمه بالحال ففي دخوله في هذا الشرط نظر مع أن عموم اشتراطه يقتضي دخوله فيه ، وقد صح عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه اشترط أنه من سبه أو لعنه أو ضربه في غضب ونحوه أنه يكون له كفارة وصلاة وفي رواية وهو غير مستحق ؛ وهذا إنما يكون إذا ظن استحقاقه لذلك ثم تبين أنه غير مستحق      قوله صلى الله عليه وسلم : أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين. مأخوذ من دعاء يوسف عليه السلام حين قال : فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين.
والله عز وجل ولي أوليائه في الدنيا والآخرة يتولى حفظهم وكلاءتهم وهدايتهم وحراستهم في دينهم ودنياهم ما داموا أحياء فإذا حضرهم الموت توفاهم على الإسلام وألحقهم بعد الموت بالصالحين ، وهذا أجل النعم وأتمها على الإطلاق وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته : مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وقول يوسف عليه السلام : توفني مسلما وألحقني بالصالحين. قيل إنه دعا لنفسه بالموت وهو قول جماعة من السلف منهم الإمام أحمد فيستدل به على جواز الدعاء بالموت من غير ضر نزل به ، وقيل إنه إنما دعا لنفسه بالموت على الإسلام عند نزول الموت وليس فيه دعاء بتعجيل الموت كما أخبر عن المؤمنين أنهم قالوا في دعائهم : ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.
ويؤيد التفسير الأول أنه عقبه بالدعاء بالشوق إلى لقاء الله وهو يتضمن الدعاء بالموت.
واستدل من جوز الدعاء بالموت وتمنيه بقوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ثم ذمهم على عدم تمنيه بسبب سيئاتهم وعلى حرصهم على طول الحياة في الدنيا وكذلك قوله تعالى : قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين.
وفي المسند عن النبي  صلى الله عليه وسلم : لا يتمنين أحد الموت إلا من وثق بعمله.
فمن كان له عمل صالح فإنه يتمنى القدوم عليه وكذلك من غلب عليه الشوق الى لقاء الله ، وأما من تمنى الموت خوف فتنته في الدين فإنه يجوز بغير خلاف وقد بسطنا الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع.
قوله  صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولافتنة مضلة.
هذه الثلاث الخصال قد روي عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بها في غير هذا الحديث أيضا من حديث عمار بن ياسر عن النبي  صلى الله عليه وسلم وقد شرحنا حديثه بتمامه في موضوع آخر.
فأما الرضا بالقضاء فهو من علامات المخبتين الصادقين في المحبة فمتى امتلأت القلوب بمحبة مولاها رضيت بكل ما يقضيه عليها من مؤلم وملائم      سيان إن لاموا وإن عذلوا     مالي عن الأحباب مصطبر
لا بد لي منهم وإن تركوا     قلبي بنار الهجر تستعر     
وعلي أن أرضى بما حكموا    وأطيع في كل ما أمروا
إذا امتلأت القلوب بالرضا عن المحبوب صار رضاها في ما يرد عليها من أحكامه وأقداره قال عمر بن عبد العزير : أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر.
دخلوا على بعض التابعين في مرضه فقال : أحبه إلي أحبه إليه
إن كان سركم ما قد بليت به     فما لجرح إذا أرضاكم ألم
حسب سلطان الهوى أنه يلذ كل ما يؤلم ، وربما اختار بعض المحبين الذل على العز والفقر على الغنى والمرض على الصحة والموت على الحياة      عزي ذلي وصحتي في سقمي
يا قوم رضيت في الهوى سفك دمي     عذالي كفوا فمن ملامي ألم
من بات على مواعيد اللقاء لم ينم ، وإنما قال  صلى الله عليه وسلم الرضا بعد القضاء لأن ذلك هو الرضا حقيقة.
وأما الرضا بالقضاء قبل وقوعه فهو عزم على الرضا وقد تنفسخ العزائم عند وقوع الحقائق ، ومع هذا فلا ينبغي أن يستعجل العبد البلاء بل يسأل الله العافية ، فإن نزل البلاء تلقاه بالرضا.
قتل لبعضهم ولدان في الجهاد فجاءه الناس يعزونه بهما فبكى وقال : ما أبكي على قتلهما ولكن كيف كان رضاهما عن الله حين أخذتهما السيوف.
إن كان سكان الغضا     رضوا بقتلي فرضا
والله ما كنت لما     يهوي الحبيب مبغضا
صرت لهم عبدا وما     للعبد أن يعترضا
من لمريض لا يرى    إلا الطبيب الممرضا
وأما برد العيش بعد الموت فالمراد به طيب العيش ولذاذته وما تقر به عين صاحبه ، فإن البرد يحصل به قرة عين الإنسان وطيبها وبرد القلب يوجب انشراحه وطمأنينته بخلاف حرارة القلب والعين ، ولهذا في الحديث طهر قلبي بماء الثلج والبرد ، ودمعة السرور باردة بخلاف دمعة الحزن فإنها حارة ، فبرد العيش هو طيبه ونعيمه وفي الحقيقة إنما يكمل طيب العيش ونعيمه في الآخرة لا في الدنيا كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. وسبب ذلك أن ابن آدم مركب من جسد وروح وكل منهما يحتاج إلى ما يتقوت به ويتنعم به وذلك هو عيشه ، فالجسد عيشه  الأكل والشرب والنكاح واللباس والطيب وغير ذلك من اللذات الحسية ، ففيه بهذا الاعتبار مشابهة بالحيوانات في هذه الأوصاف.
وأما الروح فهي لطيفة وهي روحانية من جنس الملائكة فقوتها ولذتها وفرحها وسرورها في معرفة خالقها وبارئها وفاطرها وفي ما يقرب منه من طاعته في ذكره ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه ، فهذا هو عيش النفس وقوتها فإذا فقدت ذلك مرضت وهلكت أعظم مما يهلك الجسد بفقد طعامه وشرابه ولهذا يوجد كثير من أهل الغنى والسعة يعطي جسده حظه من التنعيم ثم يجد ألما في قلبه ووحشة فيظنه الجهال أن هذا يزول بزيادة هذه اللذات الحسية وبعضهم يظن أنه يزول بإزالة العقل بالسكر وكل هذا يزيد الألم والوحشة ، وإنما سببه أن الروح فقدت قوتها وغذاءها فمرضت وتألمت
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها     فلن تصبر النفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما    يعيش ببيداء المفاوز حوتها
قال بعض العارفين لقوم : ما تعدون العيش فيكم ، قالوا : الطعام والشراب ونحو ذلك ، فقال : إنما العيش أن لا يبقى منك جارحة إلا وهي تجاذبك إلى طاعة الله.
من عاش مع الله طاب عيشه ومن عاش مع نفسه وهواه طال طيشه.
قال الحسن : إن أحباء الله هم الذين ورثوا أطيب الحياة بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم وبما وجدوا من لذة حبه في قلوبهم.
وأكل إبراهيم مع أصحابه كسرا يابسة ثم قام إلى نهر فشرب منه بكفه ثم حمد الله وقال : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب ، فقال بعض أصحابه : يا أبا اسحاق طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم فتبسم ثم قال : من أين لك هذا
أهل المحبة قوم شأنهم عجب    سرورهم أبد وعيشهم طرب
العيش عيشهم والملك ملكهم     ما الناس إلا هم بانوا أو اقتربوا
قيل لبعض العارفين وقد اعتزل عن الخلق : إذا هجرت الخلق مع من تعيش قال : مع من هجرتهم لأجله.
ويروى عن المسيح أنه قال : يا معشر الحواريين كلموا الله كثيرا وكلموا الناس قليلا ، قالوا : كيف نكلم الله كثيرا ، قال : اخلوا بذكره اخلوا بدعائه اخلوا بمناجاته.
ما أطيب عيش من يخلو بحبيب    من أمل فضل مثلكم كيف يخيب
واعلم أن الجمع بين هذين العيشين في دار الدنيا غير ممكن فمن اشتغل بعيش روحه وقلبه وحصل له منه نصيب وافر لهى عن عيش جسده وبدنه ولم يقدر أن يأخذ منه نهاية شهوته ولم يقدر أن يتوسع في نيل الشهوات الحسية وإنما يأخذ منها بقدر ما تقوم به حاجة البدن خاصة فينتقص بذلك عيش الجسد ولابد ، وهذه كانت طريقة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم وكان الله يختار أن يقلل نصيبهم من عيش أجسادهم ويوف نصيبهم من عيش قلوبهم وأرواحهم ، قال سهل التستري : ما أتى الله عبدا من قربه ومعرفته نصيبا إلا حرمه من الدنيا بقدر ما أعطاه من معرفته وقربه ولا أتاه من الدنيا نصيبا إلا حرمه من معرفته وقربه بقدرما أتاه في الدنيا.
وقد كان النبي  صلى الله عليه وسلم يقتصد في عيشه غاية الاقتصاد مع ما فتح الله عليه من الدنيا والملك ومات ولم يشبع من خبز الشعير وكان يقول : ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها.
وقال  صلى الله عليه وسلم : حبب إلي من دنياكم النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة.
والنساء والطيب فيهما قوة للروح بخلاف الطعام والشراب فإن الإكثار منهما يقسي القلب ويفسده وربما أفسد البدن أيضا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن فإن كان لا بد فاعلا فثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس.
قال بعض السلف : قلة الطعام عون على التسرع إلى الخيرات.
وقال آخر : ما قل طعام امرىء إلارق قلبه ونديت عيناه.
وقال إبراهيم بن آدم : الشبع يميت القلب ومنه يكون الفرح والمرح والضحك.
وقال أبو سليمان : إن النفس إذا جاعت وعطشت صفي القلب ورق وإذا شبعت ورويت عمي القلب.
وقال : مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع.
وقيل للإمام أحمد : يجد الرجل رقة من قلبه وهو يشبع ، قال : ما أرى. ولهذا المعنى شرع الله الصيام وقد كان النبي  صلى الله عليه وسلم يواصل في صيامه أياما فلا يأكل ولا يشرب فإذا سئل عن ذلك يقول : إني لست مثلكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقين. يشير إلى أنه يستغني عن قوت جسده بما يمنحه الله من قوت روحه عند الخلوة به والأنس بذكره ومناجاته مما يورده على قلبه من المعارف القدسية والمواهب الإلهية.
لها أحاديث من ذكراك تشغلها    عن الطعام وتلهيها عن الزاد
واعلم أن عيش الجسد يفسد عيش الروح وينغصه وأما عيش الروح فأنه يصلح عيش الجسد وقد يغنيه عن كثير مما يحتاج إليه من عيشه كان بالبصرة رجل من المجتهدين في الطاعة وكان قليل الطعام وبدنه غير مهزول فسئل عن سبب ذلك فقال ذلك من فرحي بحب الله إذا ذكرت أنه ربي وأنا عبده لم يمنع بدني أن يصلح.
وسئل أبو الحسين بن بشار : هل يكون الولي سمينا ، قال : نعم إذا كان الولي أمينا ، قيل له : كيف والله يبغض الحبر السمين ، قال : إذا علم الحبر عبد من هو ازداد سمنا.
وكان بشر يخطر في داره ويقول كفى بي عزا أني لك عبد وكفى بي فخرا أنك لي رب
نسبت لكم عبدا وذلك بغيتي     وتشريف قدري نسبتي لعلاكم
فكل عذاب في هواكم يلذ لي     وكل هوان طيب في هواكم
لحا الله قلبي إن تغير عنكم    وإن مال في الدنيا لحب سواكم
فمن وفى نفسه حظها من عيش جسده بالشهوات الحسية كالطعام والشراب فسد قلبه وقسى وجلب له ذلك الغفلة وكثرة النوم فنقص حظ روحه وقلبه من طعام المناجاة وشراب المعرفة فخسر خسرانا مبينا.
قال بعضهم : مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب شيء فيها قيل : وما هو قال معرفة الله عز وجل فمن عاش في الدنيا لا يعرف ربه ولا ينعم بخدمته فعيشه عيش البهائم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة     وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبه    كذلك في الدنيا تعيش البهائم
فالصالحون كلهم قللوا من عيش الأجساد وكثروا من عيش الأرواح لكن منهم من قلل من عيش بدنه ليستوفيه في الآخرة وهذا تاجر ومنهم من فعل ذلك خوفا من الحساب عليه في الآخرة ، والمحققون فعلوا ذلك تفريغا للنفس عما يشغل عن الله لتتفرغ القلوب للعكوف على طاعته وخدمته وذكره وشكره والأنس به والشوق إلى لقائه ، فإن الأخذ من عيش الأجساد أكثر من قدر الحاجة يلهي عن الله ويشغل عن خدمته ، قال بعضهم : كل ما يشغلك عن الله فهو عليك شؤم فلا كان ما يلهي عن الله إنه يضر ويردي إنه لشؤم.
فما تفرغ أحد لطلب عيش الأجساد وأعطى نفسه حظها من ذلك إلا ونقص حظه من عيش الأرواح وربما مات قلبه من غفلته عن الله وإعراضه عنه وقد ذم الله من كان كذلك قال الله عز وجل : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. ثم إن ما حصلوه من شهواتهم ينقطع ويزول بالموت وينقص بذلك حظهم عند الله في الآخرة فإن كان ما حصلوه من شهواتهم من حرام فذلك هو الخسران المبين فإنه يوجب العقوبة الشديدة في الآخرة ، فلما لم يجتمع في الدنيا للعبد بلوغ حظه من عيش روحه وبلوغ نهاية حظه من عيش جسده جعل الله للمؤمنين دارا جمع لهم فيها ما بين هذين الحظين على نهاية ما يكون من الكمال وهي الجنة ، فإن فيها جميع لذات الأجساد وعيشها ونعيمها كما قال الله تعالى : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وقال : لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد. ولا ينقص ذلك حظهم من لذات أرواحهم فإنه تتوفر لذات قلوبهم وتتزايد على ما كانت للمؤمنين في الدنيا مما لا نسبة لما كان في الدنيا إليه فإن الخبر في الدنيا يصير هناك عيانا فأعلى نعيمهم هناك رؤية الله ومشاهدته وقربه ورضاه وتحصل لهم بذلك نهاية المعرفة به والأنس ويتزايد هنالك لذة ذكره على ما كان في الدنيا فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس وتصير كلمة التوحيد لهم كالماء البارد لأهل الدنيا فعلم بهذا أن العيش الطيب على الحقيقة لا يحصل في الدنيا إنما يكون بعد الموت فإن من يوفر حظه من نعيم روحه وقلبه في الدنيا يتوفر في الآخرة أيضا ومن توفر حظه من نعيم جسده في دنياه وسر بها نقص في الدنيا ونقص به أيضا حظه من نعيم الآخرة ، ومع هذا فهو نعيم منغص لا يدوم ولا يبقى وكثيرا ما ينغص بالأمراض والأسقام وربما انقطع وتبدل صاحبه بالفقر والذل بعد الغنى والعز وإن سلم من ذلك كله فإنه ينغصه الموت فإذا جاء الموت فما كأن من تنعم بالدنيا ذاق شيئا من لذاتها خصوصا إن انتقل بعد الموت إلى عذاب الآخرة كما قال الله تعالى : أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون.
وكان الرشيد قد بنى قصرا فلما فرغ منه استدعى فيه بطعام وشراب وملاهي واستدعى أبا العتاهية فقال له صف لي ما نحن فيه من العيش فأنشأ يقول
عش ما بدا لك سالما     في ظل شاهقة القصور
يسعى عليك بما اشتهيت     لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت     في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا    ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيد فقال له الوزير : دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته ، فقال الرشيد : دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى.
نظر بعض المترفين عند موته إلى منزله فاستحسنه وقال :
إن عيشا يكون آخره الموت     لعيش معجل التنغيص
ثم مات من يومه.
وقال آخر

Tidak ada komentar:

Poskan Komentar