Senin, 28 November 2011

Kendala dalam Memahami Ulumul Hadis


 

 

 

 

مسألة الفهم والإفهام في مادة

علوم الحديث


أ.د. المكي بن أحمد اقلاينة

أستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية - دبي

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:
يعتبر الإفهام أهم هدف تبتغيه العملية التعليمية بغرض إيجاد الفهم لدى الطالب الذي به يستطيع التقدم في العلم والمعرفة، أما مجرد التلقين من دون أن يحصل استيعاب للمادة العلمية، فإنه لا يخلق في النفس أي تغيير أو إصلاح للفكر.
وإذا علمنا أن الشريعة الإسلامية قائمة على التعليم وخلق المعرفة الصحيحة المبنية على الدليل لا على الهوى، علمنا السبب الذي من أجله كان الأمر بالقراءة في أول سورة نزلت على رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم هداية للناس، وهذه الآيات الدالة على أن الرسول بعث ليبين للناس ما نزل إليه، فهو مبلغ وشارح لذلك. ثم إن سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية والتعليم يلمسه الباحث بشكل واضح، وهو بذلك يوضح لنا أسس إفهام الناس.
والفهم شرط التكليف، لذا، فإن مكانة الفرد رهينة به. وقد جاء في تفسير الحكمة في قوله تعالى: وآتيناه الحكمة[1] عن ابن عباس: أعطي الفهم[2]، وعن إبراهيم فيما رواه عنه الطبري في تفسير قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء[3] قال: الحكمة هي الفهم [4].
وفي رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري في القضاء: (...الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك...)[5] ، وعنون البخاري في صحيحه في كتاب العلم: (باب الفهم في العلم).
1- مدلول الفهم والإفهام وأهميتهما:
عرف بدر الدين العيني الفهم بأنه: (جودة الذهن، والذهن قوة تقتنص الصور والمعاني، وتشمل الإدراكات العقلية والحسية)[6].
و هو منزلة بين تلقي العلم والحفظ، وفي ذلك روى البيهقي عن سفيان بن عيينة قوله: (أول العلم: الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر)[7].
و من كان ذا فهم كان ممدوحا عند العلماء لأنه يفقه ما يسمع، ويظهر أثره في العمل، فهذا أبو نصر الكلاباذي الكاتب، من الحفاظ، قال فيه أبو عبد الله الحاكم: (حسن الفهم والمعرفة...)[8]، وقال الذهبي في الإمام محمد بن مخلد بن حفص الحافظ: ( كتب ما لا يوصف كثرة، مع الفهم والمعرفة وحسن التصانيف )[9] .
ومن نزلت رتبته عن الفهم السليم كان مقدوحا فيه، فهذا عفان بن مسلم أبو عثمان الصغار قال فيه سليمان بن حرب فيما رواه عنه ابن عدي: (... كان بطيئا رديء الحفظ، بطيء الفهم)[10]، وقال ابن النجار في أحمد بن طارق الكركي: (... وقد سمعت منه كثيرا، وكان قليل المعرفة، بعيدا من الفهم، ولكنه صحيح السماع...)[11].
و لا زال العلماء يهتمون بجودة الفهم والإفهام، وصنفوا في ذلك مصنفات عدة تهتم بالسلوك التربوي داخل مجلس العلم حتى يتمكن الطالب من حسن الفهم[12].
بهذا، ندرك أهمية الموضوع في العلوم الشرعية عامة، وفي علوم الحديث خاصة لأنها من أهمها لارتباطها بأمرين اثنين:
1 ـ المنهج النقلي وما ينبني عليه من الطرق المؤدية إلى فحص الروايات ونقدها بهدف التمييز بين الصحيح والسقيم.
2 ـ وفهم دلالة النص المنقول بغية العمل بمقتضاه وتنزيله على الواقع لكونه تشريعا للمسلمين.
لأجل ما ذكر، بنى العلماء قاعدة جليلة: (إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل).
بسبب هذه الأهمية التي تكتسيها علوم الحديث، وجبت العناية بها عناية كاملة دراسة وتدريسا وتطبيقا، الأمر الذي جعل علماء الحديث يولونها منذ العهود الأولى نصيبها من الاهتمام لحسن الاستيعاب والفهم والعمل.
و إننا في هذه الندوة العلمية الدولية: (علوم الحديث: واقع وآفاق)، نهدف أساسا إلى إبراز واقع هذه المادة في صفوف الطلاب، والوسائل القمينة بتجاوز العراقيل التي تعوق العملية التعليمية وتيسرها عليهم. وما من شك أن استصعاب الشيء يولد هجره إن لم نقل كراهيته.
و هذا الموضوع شغل ذهني زمنا غير يسير وأنا أحاول تبليغ المادة لطلابي، أو عندما أقف على هفوات في بحوث الدراسات العليا، أو عندما أسمع خطيبا يلقي خطبته يوم الجمعة ممن ليس من أهل هذا الشأن فيحتج بحديث ويعقب عليه بأنه أخرجه ابن الجوزي في موضوعاته، غير متفطن إلى أن المقصود من الكتاب أنه خاص بالأحاديث المكذوبة.
وهذا الذي حصل من هؤلاء يعود إلى طبيعة التكوين الذي حصلوا عليه، وسوء الفهم لبعض المواضيع ظهر أثرها للعيان. وكثيرا ما كنت أتمثل بما حصل للحافظ أبي عبد الله الحاكم في بعض تخاريجه لحديث إسماعيل ابن عياش عن مطعم بن المقدام الصنعاني كما نبه إليه ابن القيسراني في معرض بيانه سبب تأليفه كتاب »المؤتلف والمختلف«، إذ قال عقيبه: »تفرد به الشاميون عن اليمانيين« فاعتقد أن مطعما هذا من صنعاء اليمن، وإنما هو من صنعاء، قرية بباب دمشق، نزلها جماعة من الصحابة، وفيه قال أبو عمرو الأوزاعي: (ما أصيب أهل الشام بأعظم من مصيبتهم بالمطعم بن المقداد الصنعاني)[13]. وهذا الذي حصل للحاكم لا يرجع إلى قلة علمه، بل إلى مجرد الوهم، ومن يعرى عنه؟! ومعرفة أنساب الرجال من أنواع علوم الحديث التي لا غنى للمحدث عنها، وتكفيه غفلة عن هذا الأمر ليجرح ثقة أو يوثق مجروحا!
أفلا يعتبر هذا كافيا لإمعان النظر في كيفية تبليغ علوم الحديث التي تمثل المنهج الإسلامي في المحافظة على سلامة الحديث وحسن فهمه؟! وهو منهج تأثرت به باقي الميادين من تفسير وفقه وأصول وعقيدة وأدب ولغة ونحو وتاريخ... وهذا المجتمع الغربي يعمل على تيسير المعرفة ونشرها في كتب مخصصة لذلك[14]، والذي يعود إلى عمل علماء السلف رحمهم الله، يجدهم لم يقصروا في هذا الباب، وجهدوا في تيسير علوم الحديث على الطالبين، ونشره في مجالس العلم وإن كانت للمتفرغين لهذا الشأن مجالس خاصة، وألفوا في ذلك ما تزخر به المكتبة الإسلامية عامة، والحديثية خاصة. فلا غرابة عندما نجد المحدثين يولعون باختصار المبسوطات وجمع قواعد العلم من بطون المصنفات تيسيرا على طلاب العلم لتعذر وقوفهم على كل ذلك دفعة واحدة من خلال هذه الكتب التي صنفت في كل نوع من أنواع علوم الحديث. وفي كل زمان تظهر حاجة تستدعي عناية خاصة من لدن أهل العلم. وزماننا هذا، يدفعنا دفعا إلى إعادة النظر في كيفية نقل المعرفة عموما، وعلوم الحديث التي هي من أصعب العلوم بشكل خاص.
نظرا لأهمية المسألة، نحن في حاجة إلى رصد جميع مكونات العملية التعليمية، والاستفادة من عمل السلف في الجانب التعليمي، واقتراح الحلول الممكنة للتخفيف من حدة مشكلة الفهم والإفهام.
2 - معوقات الفهم لدى الطالب:
الطالب أحد مكونات العملية التعليمية، وفي غياب مشاركته الفعالة لا يمكن الحديث عن الفهم والإفهام، لأن ذلك لا يدرك إلا بعد ظهور أثر الفعل التعليمي.
و لكي يتفاعل وينفعل مع هذه العملية، يفترض أن يكون على مستوى معين من الإدراك الذي به يفهم نسبة مما يقدم إليه ويستطيع أن يعبر عنه بأسلوب واضح وسلس يفهم منه المراد.
فإلى أي حد يستطيع الطالب اليوم أن يفعل ذلك في ظل التكوين العام الذي خضع له؟
ثم إلى أي حد يظهر تجاوبه مع مادة علوم الحديث خاصة؟
للإجابة عن هذين السؤالين أستلهم أولا تجربتي في التعليم العالي بالمغرب والإمارات، وأستنير بما توصلت به من إجابة عن الاستمارة التي تضمنت جملة من الأسئلة خصصتها لهذا الشأن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي استجاب لها مجموعة من الطلبة، وإن كانت غير معبرة بالمعنى العلمي الدقيق، لكنها توافق الملاحظات التي رصدها الأساتذة، وهي على الشكل الآتي:
* ضعف التكوين العام في جميع المواد، بحيث لا يمكن حصره في مادة دون أخرى. لأجل هذا، فإن المشكل ليس خاصا بعلوم الحديث فقط، بل هو عام في جميع المواد ويتفاوت من جهة إلى أخرى. وهذا لا يمنع من وجود طلبة متميزين، إلا أن الحكم للأغلب، علما بأن كلية الدراسات الإسلامية والعربية تشترط معدلات توحي بأن حاملها على مستوى جيد. وكان من شروط قبول الطلبة في التسجيل لسنة 2002 - 2003: 1 - أن يكون حاصلا على شهادة الثانوية الشرعية أو الثانوية العامة (علمي أو أدبي) أو ما يعادلها، بمعدل لا يقل عن 60 % للطلاب المواطنين، و70 % للطالبات المواطنات شريطة ألا يكون قد مضى على الشهادة أكثر من خمس سنوات. 2 - يقبل من أبناء دول مجلس التعاون الخليجي من كان حاصلا على الثانوية العامة أو ما يعادله شريطة ألا يمضي على حصوله على الشهادة أكثر من سنتين وبمعدل 75 % للطلاب و80 % للطالبات، ويتم القبول على أساس تنافسي.
* ضعف شديد في المستوى اللغوي والنحوي والإملائي لاحظته منذ التحاقي بالإمارات، مرده إلى طبيعة التكوين الذي خضع له الطلاب. وقد جاء تفسير ذلك في إحدى الاستمارات أن مادة اللغة العربية من مائة درجة موزعة على الأدب والشعر والتعبير والخط والنحو، ودرجة مادة النحو من خمسة إلى عشرين، فكان الطلبة لا يهتمون بها نظرا لصعوبتها ويعتنون بغيرها من مكونات وحدة اللغة العربية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية استعمال جملة من الأساتذة اللهجات المحلية في التدريس، فيؤثر ذلك سلبا على العملية التعليمية، ومن جهة ثالثة أثر الدعوى أن اللغة الأجنبية (الإنجليزية) مفتاح المستقبل كان لها مفعولها في إهمال اللغة العربية. ولأجل هذا نفهم حرص إحدى الجمعيات بالإمارات - وهي جمعية حماية اللغة العربية - على جعل يوم 21 (شباط) فبراير اليوم الوطني للغة العربية. وأثر الضعف اللغوي في فهم الطالب جلي لا يمارى، إذ باللغة يفهم الخطاب. ولأجل ذلك قال جلال الدين السيوطي في معرض كلامه عن العلوم التي حباه الله بها: (...مع ما أمدني الله تعالى به من العلوم كالتفسير الذي يطلع على فهم الكتاب العزيز، وعلومه التي دونتها ولم أسبق إلى تحريرها الوجيز، والفقه الذي من جهله فأنى له الرفعة والتميز، واللغة التي عليها مدار فهم السنة والقرآن، والنحو الذي يفتضح فاقده بكثرة الزلل - ولا يصلح الحديث للحان - إلى غير ذلك من علوم المعاني والبيان التي لبلاغة الكتاب والحديث تبيان...)[15].
* اقتصار الطلبة في الغالب الأعم على الكتاب المقرر وعدم محاولتهم توسيع مداركهم بقراءة المصادر والتعرف عليها، وهذا يؤثر في مستواهم الذي لا يخرج عن إطاره. والأصل في ذلك تشجيعهم على هذا الأمر سيرا على نهج المحدثين وغيرهم في تعديد الشيوخ واعتبار ذلك منهجا تعليميا يعاب على من عري عنهم كما نبه إليه الإمام الشاطبي عند محاولته تفسير سبب سلاطة لسان ابن حزم رحمه الله[16]. والعودة إلى الكتب الآن، وإن كانت لا تعوض الشيوخ، تقلل من حدة هذا الضعف الذي يعاني منه الطلبة.
* إلى جانب الاقتصار على الكتاب، يتم التعويل على اختصار له قد يقوم به أحد الطلبة مما يزيد الطين بلة. وليته إذ اختصر صحح ما كتب، ومن يتغيب يعول على ما كتب زميله من شرح الأستاذ ويطمئن إليه مع أنه قد يكتب فهما غير سديد، أو يصحف، أو يخطئ في ضبط الكلمة... فتنتشر الأخطاء وتصبح حالة عامة، وهو في ضبط المصطلحات الحديثية أفظع وأكثر لأنه ليس لديه بها أنس. ورحم الله وكيع بن الجراح، فقد كان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: (من الخفيف)[17] خلق الله للحديث رجالا      ورجالا لآفة التصحيف
ومعلوم أن العلم بأسماء الرواة وضبطها من أنواع علوم الحديث مما يؤخذ مشافة عن الشيوخ، وقد صنف فيه جلة من العلماء مما لا يدرك بالاعتماد على المجهود الشخصي والقراءة الذاتية.
3 - معوقات الإفهام لدى الأستاذ:
* يتحمل الأستاذ قسطا من المسؤولية حال التقصير في الإفهام وتبليغ المادة على وجهها لأسباب تعود إلى مدى خبرته بالتدريس، وتمكنه من المادة، وتجاوبه مع طلابه. ولا شك أن خبرة الأستاذ وحنكته تؤهلانه لتقديم المادة العلمية على أحسن وجه. لذا، فإن المستويات التي يعاني فيها الطلبة من تكوين ضعيف يحتاجون أكثر من غيرهم إلى أستاذ محنك، على أنه لا يملك خاتم سليمان، ولكنه سيعمل جهده للتخفيف من حدة المشكلة.
* والالتزام باللغة العربية من آكد الواجبات التي يجب أن يلتزم بها، يضاف إلى ذلك أن يكون متخصصا في المادة التي يدرسها، والعيب الذي يؤثر في التعليم هو إسناد المواد لغير أصحاب التخصص خصوصا في علوم الحديث. وقد آليت على نفسي عند قيامي بمهام رئاسة قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان / المملكة المغربية، أن لا أكلف أحدا بتدريسها إلا أن يكون من أهل الفن. ومن خلال تفريغي للاستمارات، وجدت مجموعة من الطلبة يرجعون سبب عدم فهمهم لها في سنة من السنوات إلى أنه كان يدرسهم أستاذ بعيد عن التخصص.
* يضاف إلى ذلك، نجد الأستاذ مثقلا بعدد ساعات العمل، اعتقادا من الجهة المتعاقدة معه أنها بهذه الطريقة تستفيد من خبرته أكثر، والواقع أنه يصبح منهوك القوى وتضعف مردوديته وتكون النتيجة مخالفة لما كان ينتظر منه. والإنسان يبدع في عمله إذا وفرت له الفرصة السانحة لذلك والظروف الملائمة.
* ويكلف بتدريس كتاب مقرر لا يخرج عنه علما أنه قد لا يفي بالغرض من جهة، ومن جهة ثانية قد تكون فيه أخطاء علمية، أو معلومات قديمة لا تواكب مستجدات البحث العلمي. بهذه الكيفية، لا يستفيد أحد من خبرته وإنما يكون مجرد مردد لأقوال غيره، وبكلمة أخرى مجرد مدرس، بينما المطلوب في الأستاذ أن يكون باحثا. وعلماء الحديث عندما يدرسون كتابا لأحد العلماء لا يقفون عند حدود نقل ما قال، بل يشرحون أقواله ويوجهونها وينكتون عليه ببيان جملة من اللطائف مما يفتح آفاق الطالب ويتعود بذلك على القراءة النقدية الرصينة، ويتعود كتابة الطرر والحواشي على الكتاب الذي يدرسه تكون بدورها نواة لكتاب جديد، وقد يعتني بجمع أقوال شيخه ويجعلها في كتاب فيكون بذلك مشاركا وفعالا في العملية التعليمية التي يمثل المحور الأساس فيها. والمكتبة الحديثية زاخرة بمثل هذه الأعمال التي ألمعنا إليها أمثال سؤالات محمد بن عثمان لعلي، وسؤالات أبي عبيد لأبي داود، وسؤالات ابن أبي شيبة، والشروح التي وضعها العلماء على الكتب التي كانوا يدرسونها مع تعليقاتهم عليها نثرا أو شعرا، وما شروح مقدمة ابن الصلاح عنا ببعيدة والمنظومات التي وضعها العلماء في سبيل ذلك مما لا يجرؤ أحد على الطعن في جودتها، علما بأن لكل زمان رجاله.
* في ظل التقنيات الجديدة، نجد من الأساتذة من لا يرى جدوى من الاستفادة منها. ونحن وإن كنا نرى ضرورة الأخذ من أفواه الشيوخ، إلا أن ذلك لا يمنع من المزاوجة بين الأمرين لما يحققه من فوائد واختزال الوقت في الإفهام. واستعمال الحاسوب في السنة وعلوم الحديث يفيد الطالب بشكل كبير إذا أحسن استعماله دون إسفاف بحيث يلزمه التعامل المباشر مع المصادر الحديثية إلى جانب ذلك، وإلا كانت معرفته جزئية لا تتعدى ما كان يبحث عنه، بينما يحصل الطالب في بحثه المباشر في الكتب علما وفيرا مما لم يكن لديه في الحسبان. أضف إلى ذلك ما في الأقراص المدمجة من سقط وتصحيف كثير مما يعيب العمل ويحتاج إلى إعادة النظر في مثل هذه المشاريع التي يبتغى بها خدمة العلم من أجل إخراج عمل متقن. لأجل هذا، أنصح بضرورة عقد اتفاقيات عمل في هذا الباب مع المتخصصين، والتماس مستشارين في هذا المجال.
4- معوقات الفهم للكتاب المقرر:
سبق الكلام عن كيفية النظر في دولة الإمارات على الأقل إلى الكتاب المقرر، وأنه يلزم به الأستاذ، وبينا نتائج ذلك وأنه لا يستفاد من خبرة الأساتذة بهذه الكيفية.
و بالمناسبة، نذكر جملة من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن الحاجة ماسة إلى إضافة دماء جديدة في هذا الأمر بإدخال تعديلات على مستوى التأليف:
* إن عامة المصنفات التي ألفت تعاملت مع علوم الحديث على نفس نهج المتقدمين في الأسلوب، وهو عمل قد يكون جيدا لباحثين متميزين، والحال أنه يعرض على طلبة غير متمرسين ويعانون من ضعف عام في الغالب. وهو أمر يعانون منه كما تم التصريح به في الاستمارات بشكل يكاد يكون محل إجماع مما يستدعي البحث في المسألة بجدية.
* في كتاب التخريج المقرر نجد جملة لا بأس بها من الأوهام مما نحن في غنى عن ذكرها الآن. وكون الكتاب مقررا في جهات لا يرفع عنه ذلك.
* في مادة علوم الحديث يلمس الباحث انتقاء صاحب الكتاب للتعاريف دون محاولة التأكيد على إطلاقات العلماء وتوضيح الخلاف الموجود بينهم في ذلك، فيسلم الطالب للتعريف الذي قدم له للصحيح والحسن والشاذ والمعلل... وكلما وجد هذه المصطلحات على لسان أحد العلماء حملها على ما في ذهنه من تعريف لها، وذلك لا يسلم. ولا ينفرد صاحب الكتاب بذلك، فإننا نجد هذا الأمر سائرا بين جملة من الأساتذة ممن يريحون أنفسهم من عناء البحث الجاد ويكتفون بمجرد النقل عن الآخرين. وإذا علمنا أن القدامى أنفسهم قد وقع جملة منهم في أوهام عند الاعتماد على مجرد النقل، أحسسنا بضرورة العودة إلى المصادر عند توفرها[18] .
* وقوف عامة الكتب المؤلفة في هذا الباب عند حدود الجانب النظري، بينما المستهدف هو الطالب الذي يحتاج إلى فهم المادة بربطها بالجانب التطبيقي، إذ به يفهم المقال، والطلبة يعلقون على هذا الجانب في الاستمارة، ويحسون بأهمية الجمع بين الجانب النظري والتطبيقي.
5 - معوقات فهم المنهاج:
إن المنهاج المفروض على الطلبة يجب أن يؤخذ فيه بعين الاعتبار حين وضعه مستواهم العلمي والمدة الزمنية المخصصة له. والملاحظ في هذا الجانب ما يأتي:
* طول المنهاج، فيجد الأستاذ نفسه بين أن يكمله مبتور الأوصال، يمر عليه مر الكرام لأن الوقت لا يسعف، وبين أن يشرح المادة التي على عاتقه تقع مسؤولية تبليغها، فتكون النتيجة سلبية.
* غياب مادة علوم الحديث فيما عدا السنة الأولى حيث تدرس في فصلين يتيمين ينساها الطالب بعدها ليفاجأ بمادة التخريج في السنة الرابعة مع أنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بها، إذ هي بمثابة أصول الفقه بالنسبة للفقيه، فلما يتعامل الطالب معها يجد نفسه قد نسي كل ما يتعلق بعلوم الحديث، ويجد الأستاذ نفسه في حاجة إلى أن يذكره بذلك مما يؤدي إلى ضياع جزء من الوقت.
* إن مادة علوم الحديث تطبيقية، وهذا يفترض التعامل المكثف مع المكتبة بهدف البحث المباشر في المصادر، ووقتا ليس باليسير لتحقيق الأهداف.
* إن تقليص عدد ساعات المواد الشرعية عموما، والحديثية خصوصا سيؤدي لا محالة إلى مزيد من التراجع في المستوى الطلابي بسبب عدم استيعاب المادة وفهمها كما ينبغي.

مقترحات

فيما يأتي سنحاول تقديم مقترحات عساها تفيد بشكل ولو ضئيل في حل مشكلة الفهم التي تقض مضجع كل مشتغل بالتعليم:
1 ـ فيما يخص الطالب:
* إن قبول الطلبة في الكلية يجب أن يتم بناء على اجتياز امتحان يستدل به على مستواهم، لأن المعدلات المشترطة للقبول، وإن كانت في ظاهرها مرتفعة، إلا أنها لا تدل في واقع الأمر على المستوى الفعلي لهم، وإلا لما لمسنا فيهم هذا القصور.
* تنظيم دعم لغوي لفائدة الطلبة.
* تشجيعهم على العودة إلى المصادر والجلوس إلى أهل العلم وإبراز مواهبهم.
* تنظيم دورات تكوينية في الحديث وعلومه، ومسابقات في هذا المجال كما هو الشأن بالنسبة لحفظ وتجويد القرآن الكريم.
2 ـ فيما يخص الأستاذ:
* تنظيم دورات تدريبية على التقنيات الحديثة لمسايرة معطيات العصر، واستعمالها في التدريس.
* إسناد مادة علوم الحديث خاصة لصاحب التخصص.
* التخفيف من عدد ساعات العمل حتى يتمكن الأستاذ من العطاء الجيد، وإلا فإنه سيصبح مجرد مدرس لا يقدم ولا يؤخر لعدم وجود الوقت الكافي له للبحث.
* فسح المجال له ليبدع وينشر أعماله، ولم لا تدريسها إلى جانب مصادر أخرى بهدف توسيع أفق الطالب من جهة، ومن جهة ثانية الاستفادة من خبرة الأستاذ.
* استعمال وسائل الإيضاح.
3 ـ فيما يخص الكتاب المقرر:
* العمل على تأليف كتب في علوم الحديث تعتمد التيسير، ولنا في ذلك سند من سلوك المحدثين وغيرهم في هذا الباب، إذ كانوا يؤلفون مبسوطات، ثم يختصرونها للسبب المذكور، فهذا العراقي في معرض بيانه سبب تأليفه (كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد) ذكر الصعوبة التي يجدها الباحث في مصنفات من ألف في ذلك مثل كتب أبي محمد عبد الغني بن سعيد والخطيب البغدادي وابن بشكوال إلى أن قال: (... فوفقني الله تعالى، وبه الاستعانة، إلى جمع هذه الكتب في مصنف واحد، وترتيبه على الأبواب الفقهية ليسهل الكشف منه على من أراد ذلك...)[19]. وهذا ابن بلبان لما أراد تبيين سبب تأليفه الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، قال بعد أن رفع من شأنه:  (...لكنه لبديع صنعه، ومنيع وضعه، قد عز جانبه، فكثر مجانبه، تعسر اقتناص شوارده، فتعذر الاقتباس من فوائده وموارده، فرأيت أن أتسبب لتقريبه، وأتقرب إلى الله بتهذيبه وترتيبه، وأسهله على طلابه...)[20]، وهذا النواوي سمى كتابه في علوم الحديث: (التقريب والتيسير)... فظهرت بذلك عناية المحدثين بتيسير علوم الحديث كل حسب الحاجة التي رآها والكيفية التي ارتضاها. وإننا، بهذا المسلك، نشارك في خلق ثقافة حديثية لا تقتصر على طلاب العلوم الشرعية.
* ضبط المصطلحات كما وردت على لسان أصحابها حتى لا يقع الخلط بين إطلاقات العلماء، ويتم تنبيه الطلبة إلى مغبة استعمال ذلك في غير وجهها، لأنه يؤدي إلى تشويه الفكرة.
* التدرج من اليسير إلى الصعب بشكل مستساغ مقبول.
* الربط بين الجانبين النظري والتطبيقي.
* دراسة علوم الحديث في إطار وحدات موضوعية حتى يتم استيعابها وفهمها.
* استحداث جائزة لأحسن كتاب يؤلفه باحث أو يشارك فيه مجموعة من الباحثين يتوخى فيه الجدة والتيسير.
4 ـ فيما يخص المنهاج:
* وجوب توزيع محاور علوم الحديث على جميع سنوات الدراسة، وبهذه الكيفية نضمن استمرار تواصل الطالب معها، واستيعابه وفهمه لها.
* تناسب مفردات المقرر مع كل فصل بحيث لا يكون أكبر من الحجم الذي يجب أن يكون عليه ولا أصغر منه، وفي مستوى إدراك الطالب.
* تخصيص قاعة للتخريج مزودة بكافة المصادر المحتاج إليها.
* الزيادة في عدد الساعات المعتمدة في علوم الحديث والتخريج.
في جميع الأحوال، إن العلوم الشرعية لها خصوصياتها التي تتميز بها، واتباع الطريقة الغربية في التدريس أخل بمستوى التعليم عندنا، لأننا أصبحنا نقدم الشهادات بناء على عدد سنوات الدراسة ونجاح الطالب فيها، لا على حسن التمكن من العلوم الشرعية. لأجل هذا، فإن تكوين علماء معتمدين يتطلب تغيير السياسة التعليمية، لأنها إن كانت صالحة في التعليم الغربي فلأن علومها يمكن حصرها في مدة زمنية خلافا للعلوم الشرعية.
وأخيرا أقول: ميزة المحدثين أنهم يعتبرون أنفسهم دوما في مرحلة الطلب.

لائحة المصادر والمراجع

1 - القرآن الكريم.
2 - الإحسان بترتيب صحيح ابن بلبان - ت. شعيب الأرنؤوط - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1424 / 1993 .
3 - البخاري بشرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ط 2 - 1401 / 1981 .
4 - أبو بكر بن العربي وجهوده في الدراسات الحديثية: أ.د. المكي بن أحمد اقلاينة - أطروحة دكتوراه الدولة - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان / المغرب - 1993 .
5 - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: السيوطي، جلال الدين - ت. عبد الوهاب عبد اللطيف - دار التراث - مصر - ط2 - 1392 / 1972 .
6 - تذكرة الحفاظ: الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان - دار إحياء التراث العربي - بيروت - مصورة دائرة المعارف الإسلامية - الهند - ط 3 - 1377 / 1958.
7 - تفسير ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد - ت . أسعد محمد الطيب - المكتبة العصرية - صيدا - د.ت.
8 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري، محمد بن جرير - دار الفكر - بيروت - 1405 .
9 - ابن حزم الأندلسي وأثره في الدراسات الحديثية:أ.د. المكي بن أحمد اقلاينة - رسالة دبلوم الدراسات العليا (دكتوراه حلقة ثالثة) - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط / المغرب - 1988 .
10 - سنن الدارقطني، علي بن عمر - ت . السيد عبد الله هاشم يماني المدني - دار المعرفة - 1386 / 1966 .
11 - سنن البيهقي الكبرى: البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي - مكتبة دار الباز - مكة المكرمة - 1414 / 1994 .
12 - سير أعلام النبلاء: الذهبي - حقق الجزء 15: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق- مؤسسة الرسالة - بيروت - ط2 - 1404 / 1984 .
13 - شعب الإيمان: البيهقي - ت. محمد السعيد بن بسيوني زغلول - دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1410 / 1990 .
14 - كتاب تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت - ت. سكينة الشهابي - دمشق - 1985 .
15 - كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد: العراقي، أبو زرعة أحمد ابن عبد الرحيم - ت . عبد الرحمن عبد الحميد البر - دار الوفاء ودار الأندلس الخضراء - مصر - السعودية - ط 1 - 1414 / 1994 .
16 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: العيني، بدر الدين محمود بن أحمد - دار إحياء التراث - بيروت - د . ت.
17 - لسان الميزان: ابن حجر العسقلاني - منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - ط 2 - 1390 / 1971 .
18 - المؤتلف والمختلف، المعروف بالأنساب المتفقة في الخط، المتماثلة في النقط والضبط: ابن القيسراني، أبو الفضل محمد بن طاهر - تقديم وفهرسة: كمال يوسف الحوت - دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1411 / 1991 .
19 - الموافقات في أصول الشريعة: الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي - ت . الشيخ عبد الله دراز - المكتبة التجارية - د . ت .
20 - النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى: أ.د. المكي ابن أحمد اقلاينة - مطبعة طوب بريس - الرباط - 2002 .

الوثائق
1 - استمارة وزعت على طلاب كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي.
2 - وثيقة شروط القبول، صادرة عن كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي سنة 2002 - 2003 .


(1) سورة ص، الآية: 20 .
(2) تفسير ابن أبي حاتم 10 /3238 .
(3) سورة البقرة، الآية: 269 .
(4) الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3 / 90 .
(5) سنن الدارقطني 4 / 206 ح 15 و4 / 207 ح 16، وسنن البيهقي الكبرى 10 / 115 ح 20134 و10 / 150 ح 30324
(6) العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري 2 / 52، ذكر ذلك في معرض رده على الكرماني عندما قال: (المراد من العلم المعلوم، كأنه قال: (باب إدراك المعلومات))، البخاري بشرح الكرماني 2 / 39 .  
(1) البيهقي: شعب الإيمان 2 / 289 ح 1797 .
(2) الذهبي: تذكرة الحفاظ 3 / 1027 تر 956 .
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء 15 /256 . [9]
(4) ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال 5 / 384 تر 1550 .
(5) ابن حجر: لسان الميزان 1 / 188 تر 579 .
(6) يراجع: ابن عبد البر: بهجة المجالس، وشحد الذهن والهاجس، والخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وابن جماعة الكناني: تذكرة السامع، وكتابنا: النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى ...
(1) ابن القيسراني: المؤتلف والمختلف، المعروف بالأنساب المتفقة في الخط، المتماثلة في النقط والضبط، ص: 23 - 24 .  
(2) راجع سلسلة QUE SAIS - JE ? 
(1) السيوطي: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 1 / 39 .
(2) الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة 1 / 93 - 95، وانظر رسالتنا:ابن حزم الأندلسي وأثره في الدراسات الحديثية 1 / 69 - 82، وكتابنا: النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى، ص: 83 - 84 .  
(3) الخطيب البغدادي: كتاب تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم 1 / 2 .
(1) يراجع في هذه المسألة مثلا الوهم الذي حصل لكل من السيوطي والسخاوي واللكنوي والمعاصرين الذين نسبوا لأبي بكر بن العربي العمل بالضعيف مطلقا معتمدين في ذلك على النقل عن ابن حجر العسقلاني، وقد بينا ذلك في بحثنا لنيل دكتوراه الدولة في موضوع: أبو بكر بن العربي وجهوده في الدراسات الحديثية 2 / 588 -592 .
(1) العراقي: كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد 1 / 92- 93 .
(2) ابن بلبان: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 1 / 95 - 96 .

Tidak ada komentar:

Poskan Komentar