Senin, 28 November 2011

Hadis Mursal






ضرورة استقرار الضبط الاصطلاحي للإرسال الجلي والخفي من خلال الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين من المحدثين

د.نجم عبدالرحمن خلف
الأستاذ المشارك بكلية التربية والعلوم الأساسية
جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا.

أولاً: مقدمة البحث:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
فإن جميع العلوم تطرد وتنمو وتتطور مادام هناك من يتفاعل معها، ويشتغل فيها بحماسة وصدق.وعلوم الحديث وفنونه تسري عليها هذه القاعدة دون شك، فالمتتبع لسير حركة التصنيف والاصطلاح والتعريف لأنواع ومفردات هذا العلم يجد الأمر مطابقا تماما لما قدمناه.
والمتصفح لكتاب »المحدث الفاصل بين الراوي والواعي« للإمام الرامهرمزي (ت 360 هـ) وكتاب »معرفة علوم الحديث« للإمام الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ) ومداخل الإمام أبي بكر البيهقي (ت 458 هـ) كمدخل »السنن الكبرى« و»مدخل معرفة السنن والآثار« و»مدخل دلائل النبوة« وكذا مصنفات الإمام الخطيب البغدادي ( 463 هـ)، في هذا الفن وهي كثيرة مباركة. وكذا المتصفح لكتاب »مقدمة علوم الحديث« للإمام ابن الصلاح (ت 643 هـ) وألفية الإمام العراقي (ت 806 هـ) والإمام السيوطي (ت 911 هـ)، والشروح التي قامت عليها، وعلى رأسها »فتح المغيث« للإمام السخاوي (ت 902 هـ)، وما تبلور عند الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في »نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر« وهكذا تتوالى الجهود مرورا بما كتبه الإمام عبد الحي اللكنوي (ت 1304 هـ) والإمام جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) وانتهاء بما أثمرته الدراسات العلمية الحديثة المعمقة على شكل أطاريح لنيل شهادة الدكتوراه من الجامعات المتعددة في البلاد العربية والإسلامية. إن المتصفح لهذه المصنفات وما حوته من برنامج ومناهج، وأساليب وطرائق في الشكل والمضمون يجد بوضوح أن هذا العلم بجميع أنواعه آخذ في التطور والتبلور مع توالي الأجيال المجتهدة في خدمته كل حسب اجتهاده ومقدرته.
والجهد المبارك الذي ابتدأه الإمام الرامهرمزي في الجمع والتهذيب، إنما أقامه على جهد هائل ضخم قد سبقه النبلاء من العلماء في التأسيس له والعمل على إشاعته وإثرائه، كالإمام شعبة (ت 170 هـ)، وابن المديني (ت 234 هـ)، وابن معين (ت 233 هـ)، وأحمد بن حنبل (ت241هـ)، وأبوزرعة (ت 264 هـ)، وأبو حاتم (ت 275 هـ)، والبخاري (ت256هـ)، والترمذي (ت 279 هـ)، والنسائي (ت 303 هـ)، وابن خزيمة (ت 311 هـ) وابن حبان (ت 354 هـ)، وابن عدي (ت365 هـ)، وقبل هؤلاء ومع هؤلاء وبعد هؤلاء جمهرة جليلة القدر، غزيرة العلم، عظيمة الحماسة بذلت جهدا هائلاً في خدمة الحديث النبوي الشريف وعلوم السنة المباركة بكل صدق وعزيمة وإخلاص.
وفي جهود هؤلاء المتقدمين غنيمة باردة حاضرة، ولنا فيها سهم كبير، وتعويل كثير، والحصيف العاقل هو الذي يبدأ من حيث انتهى الناس، فيعمل على التأمل فيما خلفه لنا هؤلاء الأسلاف الكرام، ويحيط به علما وفهما وجمعا، ثم يحاول أن يمضي بهذا العلم بما يفتح الله عليه من زيادة في ضبط أو إضافة لجديد، أو تنبيه على خطأ، أو تطوير في المنهج التنظيمي الشكلي لهذه العلوم فكم ترك المتقدم للمتأخر ثم لابد لها من التطوير في البناء والمضمون بما يتناسب مع تطور العصر، ويتواكب مع أحوال طلبة العلم وغيرهم من المسلمين، حيث إن هذه الواقعية تحتاج إلى برامج تشويقية وتسويقية ودعوية تشد الناس من جديد إلى هذا العلم، وتجمعهم أسوة بمن سلف من كرام أسلافهم، وبهذا تبقى رايته خفاقة مرفوعة، وعلماء السنة اليوم هم المسؤلون مسؤولية مباشرة عن هذا الأمر، وهم المكلفون بتحقيقه، والله المستعان.
وهذه الحركة التي ندعو إليها إنما تتلخص في الاستفادة من جهود المتقدمين والمتأخرين، وهي الصورة المثلى لتحقيق هذه الأمنية.
نحن في الغالب الأعم نرقب ونرصد أثر السابق في اللاحق، ونتنبه إلى فضل الأسلاف على من خلفهم، وهذا مهم ومطلوب، ولكنه جانب من الصورة المرادة، والصورة الشاملة الكاملة أن يضم إلى هذا ما أضافه الخلف في كل جيل إلى ما قدمه السلف من جهود. وهو كثير يقتضي الوقفة والتأمل والرصد والمتابعة، وعلى أساس هذه النظرة يكون التطوير والإبداع، ويذهب الهدر والإغفال في هذا البناء العلمي المتواصل. فالأصل ألا ينكرللسلف فضلهم، ولا للخلف جهدهم، وهذا هو الإنصاف المطلوب.
وهذه النظرة تحتاج منا إلى بذل الجهود الواسعة في الإحاطة بما كتبه السلف على توالي العصور، مع إحاطة أخرى بما دونه علماء السنة في هذين القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وهو جهد عظيم حري بالجمع والتتبع كما أنه حري بالنظر والتأمل، وبالاستفادة والتوظيف في تطوير هذه المسيرة العلمية المباركة لعلوم الحديث الشريف.
وقد قامت في نهاية القرن الرابع عشر الهجري المنصرم ومطالع هذا القرن نهضة علمية واسعة في خدمة علوم السنة النبوية من طبع للكثير من مؤلفاتها، وتحقيق وتوثيق جملة من أهم مصادرها ومراجعها، كما زامنت هذه الحركة جهود علمية لنقد المرويات وفحصها لتمييز الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود.
ولا شك أن المتصدين لرصد هذه الحركة العلمية السابقة والمعاصرة في خدمة السنة النبوية من المحدثين النقاد ينبغي أن يضعوا في اعتبارهم ضرورة استصحاب مناهج هؤلاء المنظرين من السلف والخلف من علماء الحديث لئلا يقعوا في الخلط بين مناهجهم المختلفة والتي أدت أحيانا إلى هذا التفاوت الواقع في الصور والنتائج.
وإن من أهم ثمار هذه العملية العلمية إثر الجمع والدرس والفحص الناقد أن نصل إلى توحيد المصطلحات الحديثية ما أمكن لتعين الدارس المعاصر على سرعة الفهم وعدم التشتت وسط سيل من التعريفات والعبارات المختلفة والتي تنتهي بالطالب إلى السآمة والنفور، وتهدر الجهد والطاقة فيما لا جدوى ولا طائل من ورائه.
ثانيا: موضوع البحث:
وسوف أعالج في هذا البحث المتواضع غياب الاستقرار الاصطلاحي أحيانا لدى المتصدين للكتابة في علوم الحديث من خلال دراسة بعض أنواع علوم الحديث مثل الإرسال والإرسال الخفي وسأحاول تسليط الضوء على ما بينهما من التداخل والتشابك في تعريفات المحدثين حيث تلمس ضياع الفيصل الذي يضع الحدود والضوابط لكل مصطلح بما يميزه عن سواه من المصطلحات، ونقطع هذا السرد المتدفق من التعريفات المتضاربة التي تشتت ذهن الطالب، وتربكه وتساهم في تنفيره.
وقد اعتمدت في تسجيل الملاحظات ووضع الحلول على كتب المصطلح والأثر القديمة والمحدثة، وركزت في اختيار الأمثلة وسرد النماذج على كتاب »السنن الكبرى« للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ) حيث إني قد خبرته فوجدته قد أكثر من استعمال الحديث المرسل فقد استوعب مراسيل أبي داود وضم إليه ضعفه من المراسيل الأخرى مع التنبيه عليها ونقدها، ثم إن الإمام البيهقي محدث جليل بارع في هذه الصناعة، كما أنه فقيه كبير الشأن جليل القدر لأجل ذلك كان الوصول إلى الحكم الشرعي من النصوص الحديثية هو شغله الشاغل وفق المنهج الحديثي وما يتطلبه من تفنن وبراعة وإتقان، فكان يوازن وينقد ثم يرجح ليبني حكمه الفقهي على أساس ذلك.
ورغم أن الحديث المرسل ((من أجل الأبواب، فإنه أحكام محضة، ويكثر استعماله، بخلاف غيره))[1] إلا أنه واحد من المصطلحات التي تداخلت تعريفاته، واتسعت إلى حد دخل فيه واختلط به الحديث المعضل، والمعلق، والمنقطع، والمنقطع الخفي، والإرسال الخفي، بحجة أن هذا سائغ في اللغة، وأن جميع هذه الأحاديث يجمعها وقوع الانقطاع فيها وكذا الحال بالنسبة للمنقطع فقد أصابه من الترهل والاتساع ما أضاع ضبط اصطلاحه، وحبك تعريفه، ورسم حدوده عند البعض من المحدثين.
وإذا ساغ في الماضي أن تكون الصورة على ما وجدنا للتطور الحاصل في الاصطلاح، فإنه لا يصح أن يبقى الحال على ما هو عليه في وقتنا الحاضر، وقد استقرت العلوم، ووضعت القواعد والضوابط والحدود لكل منها بما يرسم معالمها الدقيقة الحاسمة حيث لا تختلط بغيرها.
ثالثاً: تعريف الحديث المرسل[2]:
استغرق الحافظ ابن حجر سبع صفحات من الكلام المتواصل في نكته على كتاب ابن الصلاح[3] في إطار الحديث عن تعريف المرسل وانتهى من اختلاف تعاريف الأئمة له أنه على أربعة أوجه، ثم ساقها، ثم ساق أقوالا أخرى مما حكاه الفقهاء والأصوليون في تعريفه. ثم انتهى من كل ذلك بقوله في تعريفه تعريفا جامعا مانعا: ((ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما سمعه من غيره))[4] وهذا يكفي في حسم الأمر، واستقرار الاصطلاح.
كما أن الخوض في حكم الحديث المرسل من حيث القبول والرد قضية ذات شجون، وظلت كذلك لوقوع الاختلاف في المناهج والطرائق إلى يومنا هذا. والأمر قد حسم عند المحققين من مئات السنين إلا أنه يحلو لكثير ممن صنف في علوم الحديث أن يعود إلى جميع هذه الآراء المتشابكة والمتعارضة فيسردها على الطلبة الناشئين بطريقة مملة مربكة منفرة. بيد أن حكم الحديث المرسل ليس هو محور حديثنا هنا.
وقد عَرَّفَ البيهقي الحديثَ المرسل من حيث الاصطلاح بأنه: ((كل حديث أرسله واحد من التابعين أو الأتباع، فرواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر مَن حمله عنه))[5].
ومن هذا التعريف الصريح يتبين لنا أن البيهقي يتوسع في نظرته إلى ((المرسل))، ويُعطيه مدى أبعد، شأنه في ذلك شأن جمهور المتقدمين من الفقهاء والأصوليين، وبعض أهل الحديث، إذ يعممون التابعين وغيرهم[6].
2- أنواع الحديث التي تدخل في مسمى المرسل:
ومن خلال الاستقراء والتتبع وجدتُ الإمام البيهقي ومن سبقه من الأئمة المتقدمين وبعض من عاصره أو جاء بعده يطلقون المرسل على:
حديث التابعي، كبيراً كان أم صغيراً.
حديث تُبَّعِ الأتباع.
الحديث المنقطع.
الحديث غير المرفوع، كالموقوفات.
الحديث المعضل وهو مذهب الزيدية كما قال الشوكاني كما سيأتي تفصيله قريبا.

وبيان ذلك فيما يلي:
1- مرسل التابعي سواء أكان كبيراً أم صغيراً:
وهو المشهور عند المحدثين في استعمال المرسل، كما قَدَّمنا آنفا.
مِنْ ذلك قوله - بعد أنْ ساق حديث حِبان بن أبي جَبَلَة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل أحد أحق بماله من والده، وولده، والناس أجمعين)).
قال البيهقي: ((هذا مرسل، حِبان بن أبي جَبَلَة القرشي من التابعين))[7].
وهذا النوع كثير عند البيهقي، وذلك كمرسلات سعيد بن المسيب، وأبي العالية، والحسن البصري، وابن شهاب الزهري، وعطاء بن أبي رباح، وغير ذلك.
وعلى هذا المعنى في تعريف الإرسال هو الذي استقر عليه المتأخرون[8].
2- مرسل أتباع التابعين[9]:
وهذا النوع داخل في تعريف البيهقي للحديث المرسل تصريحاً، فإنه قال: ((كل حديث أرسله واحد من التابعين، أو الأتباع))[10]. وشواهده كثيرة في ((السنن الكبرى)).
من ذلك قوله - بعد أنْ ساق حديث »وجوب العشر« من طريق سليمان بن موسى، عن أبي سيارة المتقي مرفوعاً -: ((قال البخاري: هذا حديث مرسل، وسليمان بن موسى لم يدرك أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وليس في زكاة العسل شئ يصح)).
وكذلك قوله: ((وهذا مرسل، إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة))[11].
وقوله: ((هذا مرسل، لم يسمعه يحيى - أي ابن أبي كثير- عن أنس، إنما سمعه عن رجل من أهل البصرة، يقال له: عمرو بن زينب، ويقال: ابن زينب عن أنس))[12].

3- اطلاق الإرسال على الحديث المنقطع:
إنَّ النوع الثاني ((مرسل أتباع التابعين)) هو من المنقطع، ولكننا أفردنا هذا النوع الثالث بالذكر، وإن كان في حقيقته كالثاني لتنصيص البيهقي على استعمال لفظ الإرسال في المنقطع.
وقد وقع هذا للإمام البيهقي، كما وقع للمتأخرين عموماً. فإنهم عَرَّفوا المرسل بأنه: ((كل ما لا يتصل، سواء أكان يُعْزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره))[13].
وقال النووي: ((والصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء، الخطيب، وابن عبدالبر، وغيرهما من المحدثين: أنَّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أيَّ وجه كان انقطاعه))[14].
وبهذا يزول الاستغراب الذي يرتسم في ذهن الباحث وهو يرى صنيع البيهقي في استعمال اصطلاح (المرسل) في موضع (المنقطع)، و(المنقطع) في موضع (المرسل) مِمَّا يجعل القارئ - غير المحيط بهذه الدقيقة - يلاحظ أنَّ هناك اضطراباً كبيرا لدى البيهقي في كتابه ((السنن الكبرى))[15].
ومثال ذلك، قوله: ((وفيه إرسال بينه - أي ابن جريج -وبين عبدالكريم))[16].
- وقوله : (( هذا مرسل ابن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء ))[17].
- ومن ذلك قوله: ((وهذا مرسل، شعيب بن يسار لم يدرك عمر))[18] ثم ساق الدليل على ذلك.
-وقوله أيضاً: ((إلاّ أنه مرسل، ربيعة لم يدرك أبا سعيد - أي الخُدْري-))[19]
- وقوله: ((إسحاق بن يحيى لم يدرك عُبَادة بن الصَّامت، فهو مرسل))[20].
والأمثلة والشواهد في ذلك كثيرة[21].
4- إطلاق (المرسل) على غير المرفوع من الآثار:
وهذا يؤكد منهج البيهقي في نظرته إلى »المرسل« و»المنقطع« وما بينهما من عموم وخصوص، ويجلى رأيه في ذلك، فإنه قد استعمل مصطلح الإرسال في غير المرفوع، كما استعمل المنقطع في موضع المرسل أحياناً، والمرسل في موضع المنقطع أحياناً أخرى، فهذه الأوصاف جميعاً تصدق على كل ما لا يتصل إسناده.
قال ابن الصلاح: ((وهذا المذهب أقرب صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الحافظ أبوبكر الخطيب في »كفايته))[22].
ومثال إطلاق الإرسال على غير المرفوع عند البيهقي، قوله: (هذا مرسل موقوف)[23]، وقد قال ذلك عقب قول ابن عباس، وذلك لأن في السند انقطاعاً.
وساق قولاً لابن مسعود من طريق المَسْعُودي عن القاسم بن عبدالرحمن عنه، ثم قال: ((مرسل، وهو موقوف على عبدالله بن مسعود))[24].

Tidak ada komentar:

Poskan Komentar